الرئيسيةSliderما هو مصير الموقوفين والمحكومين بعد قرار "الدستوري" في قانون العفو العام؟

ما هو مصير الموقوفين والمحكومين بعد قرار “الدستوري” في قانون العفو العام؟

لم تنتهِ تداعيات قرار المجلس الدستوري بشأن الطعن في قانون العفو العام عند حدود ما أقرّه من إبطال جزئي لبعض النصوص وفرض تحفظات تفسيرية ملزمة على مواد أخرى، بل انتقلت إلى سجال قانوني وسياسي يتصل بحدود صلاحيات المجلس، والتوازنات التي رافقت إقرار القانون في مجلس النواب، ومصير آلاف الموقوفين الذين ينتظرون أن ينعكس العفو على أوضاعهم القضائية والإنسانية.

وقد أضاف غياب العضوين السنّيَّين عن جلسة مناقشة الطعن بُعداً ميثاقياً إلى الاعتراضات، بعدما رأت مرجعيات نيابية وسياسية سنّية في القرار مساساً بما تعتبره مكاسب تحققت خلال المسار التشريعي، ولا سيما في ما يتعلق بالموقوفين الإسلاميين. وهكذا، لم يعد الخلاف محصوراً في تفسير مواد قانونية، بل امتد إلى العلاقة بين الرقابة الدستورية والتوازنات السياسية والطائفية التي تحكم الحياة العامة في لبنان.

لكن الفصل يبقى ضرورياً بين مسألتين: مدى احترام المجلس الدستوري حدود صلاحياته القانونية، ومدى تمثيل تشكيلته للتوازنات الطائفية. فغياب عضوين عن المداولات، وما أثاره من اعتراضات، لا يحسم في ذاته مدى دستورية القرار، كما أن سلامة الإجراءات الدستورية لا تلغي ضرورة البحث في التداعيات السياسية والإنسانية لنتائجه.

في صلب الاعتراض القانوني، تبرز مسألة صلاحية المجلس الدستوري في استخدام التحفظات التفسيرية الملزمة. فالمادة 19 من الدستور أناطت به مهمة الرقابة على دستورية القوانين، فيما تعود السلطة التشريعية إلى مجلس النواب، وفقاً للمادة 16. ومن هنا، فإن المجلس ليس غرفة تشريعية ثانية، ولا يملك الحلول محل المشترع في وضع القواعد القانونية أو تعديلها.

وتقتضي هذه الصلاحيات، وفق قراءة منتقدي القرار، أن يبتّ المجلس في دستورية النصوص المطعون فيها، فيبطل ما يراه مخالفاً للدستور، كلياً أو جزئياً، أو يردّ الطعن في ما لا يثبت لديه عدم دستوريته. أما التحفظ التفسيري، فيتيح له اعتماد تفسير محدد للنص، يعتبره ضرورياً للتوفيق بينه وبين أحكام الدستور، ويصبح هذا التفسير ملزماً للسلطات والهيئات والإدارات والقضاء.

غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتجاوز التفسير توضيح معنى النص وضبط كيفية تطبيقه، ليؤدي عملياً إلى تغيير مضمونه أو إضافة شروط وقيود لم ينص عليها المشرّع. وهنا يطرح السؤال الذي يستند إليه المعترضون: أين تنتهي صلاحية المجلس في تفسير القانون، وأين يبدأ تدخله في إعادة صياغته؟

فالمجلس الدستوري لم يكتفِ بردّ طلب إبطال قانون العفو العام برمّته، بل أبطَل بعض العبارات والأحكام، وأرفق قراره بتحفظات تفسيرية ملزمة طاولت نطاق تطبيق القانون والفئات المستفيدة منه. ويرى منتقدوه أن كثافة هذه التحفظات واتساع نطاقها يثيران تساؤلات جدية حول ما إذا كان المجلس قد بقي في إطار الرقابة الدستورية، أم تجاوزها إلى رسم قواعد جديدة يفترض أن يضعها مجلس النواب.

في المقابل، يستند الدفاع عن هذا المسار إلى أن المجلس يملك، في إطار وظيفته الرقابية، تفسير النصوص بما يضمن توافقها مع الدستور، وأن التحفظات الملزمة ليست تعديلاً تشريعياً بمجرد صدورها. ولذلك، فإن حسم الجدل لا يتوقف على عدد التحفظات، بل على مضمون كل منها وأثره الفعلي في النص القانوني.

أما البعد الميثاقي، فقد برز مع مقاطعة العضوين السنّيَّين جلسة مناقشة الطعن، وما رافق ذلك من اعتراضات على المسار الذي انتهى إليه القرار.

وترى مرجعيات سياسية ونيابية سنّية أن القرار أخلّ بالروحية التي جرى التوافق عليها في مجلس النواب عند إقرار قانون العفو، وأن بعض التفسيرات والقيود التي أدخلها المجلس الدستوري اقتطعت جزءاً من جوهر ذلك التوافق.

وتتجاوز المسألة، وفق هذا الاعتراض، مسألة غياب عضوين عن جلسة أو اختلافهما مع زملائهما في التقدير القانوني، لتلامس الثقة بالتوازنات التي يُفترض أن ترافق القرارات ذات التداعيات الاجتماعية والسياسية الواسعة.

لكن تحويل هذا الاعتراض إلى موقف سياسي موحد يقتضي تحديد المطالب بوضوح: هل المطلوب الاعتراض على طريقة انعقاد الجلسة، أم على مضمون القرار، أم على انعكاساته في فئات محددة من الموقوفين؟ فهذه مسائل متمايزة، وإن كانت مترابطة في المشهد السياسي.

كما أن التوازن الطائفي، على أهميته في النظام اللبناني، لا يمكن أن يحل محل البحث القانوني في حدود صلاحيات المجلس، مثلما لا يصح تجاهل البعد الميثاقي عندما يتحول الخلاف حول تفسير قانون إلى أزمة ثقة بين مكونات الحياة السياسية.

الموقوفون الإسلاميون 

غير أن الجانب الأكثر إلحاحاً في القضية يبقى مصير الموقوفين، ولا سيما الإسلاميين الذين أمضى بعضهم سنوات طويلة في التوقيف من دون صدور أحكام نهائية بحقهم.

فهؤلاء لا ينتظرون حسم خلاف سياسي أو سجال دستوري فحسب، بل ينتظرون معرفة ما إذا كان القانون الذي أُقرّ سيؤدي فعلاً إلى تغيير أوضاعهم، أم أن القيود والتفسيرات الجديدة ستفتح الباب أمام قراءات قضائية تحدّ من استفادتهم منه.

وتكمن الإشكالية في ضرورة التمييز بين الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام، والمحكومين الذين صدرت أحكامهم، وبين شروط الاستفادة من أحكام العفو والاستثناءات الواردة فيه. كما أن إدراج جرائم معينة ضمن الاستثناءات، أو تفسير نطاقها، قد يترك أثراً مباشراً في ملفات لا تزال عالقة أمام القضاء.

ومن هنا، فإن القلق لا يتعلق بمجرد تضييق نطاق المستفيدين، بل أيضاً باحتمال نشوء تفسيرات متباينة عند تطبيق القانون على ملفات متشابهة. وهو ما يجعل وضوح النصوص واتساق الاجتهادات القضائية مسألة أساسية، منعاً لتحول الغموض القانوني إلى عامل إضافي في إطالة أمد التوقيف.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل اكتظاظ السجون وبطء المحاكمات والظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها الموقوفون. فاستمرار الاحتجاز سنوات طويلة من دون محاكمة نهائية يطرح، إلى جانب مسألة العفو، أسئلة مستقلة تتصل بضمانات المحاكمة العادلة ووجوب عدم تحويل التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة فعلية تسبق الحكم.

ولا يعني ذلك أن العفو العام يجب أن يشمل كل موقوف بصرف النظر عن طبيعة التهم المنسوبة إليه، بل إن المطلوب هو تطبيق القانون وفق معايير واضحة ومتساوية، مع احترام الاستثناءات الدستورية والقانونية، وضمان عدم التمييز بين الحالات المتشابهة.

يبقى قرار المجلس الدستوري، بما يتضمنه من أحكام إبطال وتحفظات تفسيرية ملزمة، قراراً مبرماً وواجب الاحترام من السلطات المعنية. لكن نهائية القرار لا تعني أن الأسئلة القانونية والسياسية التي أثارها أصبحت خارج النقاش، ولا أن الاعتراض على حدوده أو آثاره يفقد مشروعيته.

فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتبادل الاتهامات حول الميثاقية أو الصلاحيات، بل توضيح كيفية تطبيق مواد القانون، وتحديد أثر التحفظات في الملفات القضائية، ولا سيما تلك المتعلقة بالموقوفين الإسلاميين الذين طال انتظارهم للمحاكمة أو البتّ في أوضاعهم.

وفي موازاة ذلك، يبقى من حق مجلس النواب والمرجعيات المعنية مناقشة الثغرات التي كشفها التطبيق، ضمن الأطر الدستورية المتاحة، من دون التعامل مع القرار وكأنه تفويض مفتوح لإعادة رسم القانون خارج المؤسسة التشريعية.

فالعفو العام ليس مجرد تسوية سياسية بين الكتل النيابية، ولا هو نص قانوني منفصل عن الواقع الاجتماعي والإنساني. إنه قرار يفترض أن يحقق غاية تشريعية محددة ضمن حدود الدستور، وأن يُطبّق على نحو واضح وعادل.

وبين صلاحيات المجلس الدستوري وحق مجلس النواب في التشريع، وبين التوازنات الميثاقية وضمانات المحاكمة العادلة، يبقى الاختبار الحقيقي في ألا تتحول الرقابة الدستورية إلى مصدر إضافي للالتباس، وألا يدفع الموقوفون ثمن خلافات المؤسسات وتأويلاتها، بعدما دفع بعضهم سنوات طويلة من أعمارهم في انتظار العدالة.

شريط الأحداث