لم يكن قرار المجلس الدستوري اللبناني الصادر في 12 تشرين الأول الجاري بشأن الطعن في قانون العفو العام مجرد حسم لنزاع دستوري حول قانون أقرّه مجلس النواب، بل شكّل محطة لإعادة تحديد حدود العفو، والعلاقة بين سلطة التشريع ووظيفة القضاء، والتوازن بين حق الدولة في العقاب وحقوق الموقوفين والمحكومين والضحايا.
فالمجلس لم يُبطل القانون بكامله، كما لم يمرّره من دون تعديل في نطاق تطبيقه. اختار حلاً وسطاً يقوم على إبطال بعض العبارات، وفرض تحفظات تفسيرية ملزمة على عدد من مواده، بما يضمن، وفق تعليله، توافق القانون مع المبادئ الدستورية والالتزامات القانونية الدولية التي يرتبط بها لبنان.
لكن أهمية القرار لا تكمن في صيغته القانونية وحدها، بل في الأسئلة التي يثيرها، والتي ستتدحرج مع طرح كل قضية على حدة. لكن السؤال المركزي الذي يحتاج إلى قراءة متأنية: هل حقّق المجلس الدستوري في قراره، التوازن بين الأهداف السياسية والإنسانية التي هدف إليها قانون العفو العام والطعن به؟
أولاً: المجلس الدستوري بين إبطال القانون وتصحيح مساره
رفض المجلس إبطال قانون العفو العام بكامله، معتبراً أن ذلك سيؤدي إلى حرمان مستفيدين منه، ومن بينهم موقوفون أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمة، من منحة تشريعية تستهدف معالجة أوضاع إنسانية وقضائية قائمة.
واستند المجلس إلى أن العفو العام، وإن كان استثناءً من القاعدة الأصلية التي تقضي بالملاحقة والعقاب، يظل من الصلاحيات التي منحها الدستور للمشرّع، شرط ممارستها ضمن الحدود الدستورية.
ومن هنا، اعتمد المجلس التحفظات التفسيرية الملزمة، مستبعداً المعاني التي رأى أنها تتعارض مع الدستور، ومحدداً المعاني التي يتوجب على السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية اعتمادها.
ويطرح هذا النهج مسألة دستورية دقيقة: أين ينتهي تفسير القانون ويبدأ تعديله؟
فمن حق المجلس الدستوري أن يستبعد تفسيراً يؤدي إلى مخالفة الدستور، وأن يعتمد تفسيراً يجعل النص متوافقاً معه. لكن اتساع التحفظات وأثرها العملي يفرضان التساؤل عن مدى اقتراب بعضها من إعادة رسم الخيارات التي اتخذها المشترع.
ولا يكفي أن يكون التفسير ملزماً حتى يصبح بمنأى عن النقاش؛ فإلزاميته تحدد أثره القانوني، أما مشروعية حدوده فتُقاس بمدى استناده إلى النص ومبادئ الدستور.
ومع ذلك، فإن إبقاء القانون قائماً مع ضبط تطبيقه يحقق نتيجة مختلفة عن إبطاله كلياً: فهو يحافظ على إمكان استفادة الفئات التي يشملها العفو، مع منع التوسع في تطبيقه على نحو قد يمسّ بالمساواة أو بحقوق الغير أو بالالتزامات الدولية للبنان.
ثانياً: الفساد والجرائم الجسيمة خارج منطق التسويات
من أبرز ما حسمه القرار توسيع نطاق جرائم الفساد المستثناة من العفو، وعدم حصرها بما ورد في بندين محددين من المادة الثانية.
فقد اعتبر المجلس أن الاستثناء يشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية الملزمة للبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها، أياً كانت صفتهم أو مكانتهم أو دورهم.
كما أكد أن العفو لا يحول دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضررة، ولا دون اتخاذ إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد.
وتكمن أهمية هذا التفسير في منع التمييز بين أطراف الجريمة الواحدة. فلا يجوز، مثلاً، أن يستفيد الراشي أو الوسيط من العفو فيما يبقى المرتشي خاضعاً للملاحقة عن الفعل نفسه، أو أن يُستثنى الموظف العام ويُعفى المستفيد من الفساد لمجرد اختلاف صفته.
لكن استثناء جرائم الفساد من العفو لا يعني إدانة كل من وُجّه إليه اتهام بشأنها. فالملاحقة شيء، وثبوت الجريمة وفق الأدلة والأصول القضائية شيء آخر. كما أن حفظ حق الدولة في استرداد الأموال لا يعني صدور حكم تلقائي بالمصادرة، بل يظل ذلك خاضعاً للقواعد والإجراءات القانونية.
كذلك، استبعد المجلس من نطاق العفو الأفعال التي تشكّل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو تعذيباً أو إخفاءً قسرياً.
ويعكس هذا الموقف حدوداً لا يجوز أن تتجاوزها التسويات التشريعية عندما تتصل الجرائم بانتهاكات جسيمة للحقوق الأساسية والتزامات دولية تتعلق بالمحاسبة.
غير أن التوصيف القانوني لا يجوز أن يقوم على الانطباعات أو على خطورة الاتهام وحدها؛ فاستبعاد جريمة من العفو لا يثبت تلقائياً ارتكاب شخص لها، ولا يعفي القضاء من التحقق من عناصرها وأدلتها.
ثالثاً: المساواة أمام القانون وحدود التمييز
أحد المعايير الأساسية التي اعتمدها المجلس هو أن العفو العام يجب ألا يتحول إلى امتياز غير مبرر لفئة على حساب أخرى.
فالعفو، بطبيعته، يتعلق بفئات من الجرائم ضمن فترة زمنية محددة، لا بمجرد الانتماء إلى مجموعة من الأشخاص. ولذلك فإن المعيار الحاسم هو طبيعة الجريمة وشروط القانون، وليس الموقع السياسي أو الاجتماعي أو الطائفي أو الأمني لمن يُلاحق بشأنها.
وفي هذا الإطار، عالج المجلس الغموض المتعلق ببعض جرائم المخدرات والتزوير والتعديات، وفرض تفسيرات ملزمة تمنع التوسع في نطاق العفو. كما أبطل عبارات مرتبطة بتاريخ ارتكاب بعض الجرائم، واعتمد الأول من آذار 2026 حداً زمنياً موحداً للجرائم المشمولة، وفق ما حدده في قراره.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة، لأن التفاوت في الصياغة التشريعية قد يؤدي إلى نتائج مختلفة في ملفات متماثلة، أو إلى شمول أفعال لا تتصل بالغاية التي أُقر العفو من أجلها.
لكن المساواة لا تعني معاملة جميع الجرائم بالطريقة نفسها، بل تقتضي أن يكون الاختلاف في المعاملة قائماً على أسباب قانونية موضوعية، وأن تكون الاستثناءات واضحة وقابلة للتطبيق بصورة موحدة.
رابعاً: عقوبة الإعدام وتداخل القوانين
تناول القرار أيضاً التعارض الظاهري بين قانون العفو والقانون الذي ألغى عقوبة الإعدام واستبدل بها الأشغال الشاقة المؤبدة في الأحكام التي لم تنفذ.
وأكد المجلس أن أحكام قانون العفو المتعلقة باستبدال العقوبات لا تعيد إحياء عقوبة الإعدام، بل تتناول الجرائم التي كانت معاقباً عليها بالإعدام قبل نفاذ قانون إلغائها، والمحكومين الذين استُبدلت عقوباتهم بالأشغال الشاقة المؤبدة بموجبه.
وبحسب التفسير الملزم، تصبح عقوبة هذه الفئة 28 سنة سجنية، ولا يسري عليها حكم الـ17 سنة المقرر للأشغال الشاقة المؤبدة في البند الثاني من المادة الثالثة.
وهذا التفريق مهم لفهم الأثر العملي للقرار، لكنه لا يسمح باستنتاج مدة العقوبة أو موعد الإفراج عن أي محكوم من دون مراجعة الحكم الصادر بحقه والتكييف القانوني للجريمة وشروط الاستفادة من القانون.
خامساً: السياسة خلف القانون
من الناحية السياسية، لا يمكن اعتبار القرار انتصاراً كاملاً للطاعنين أو للمؤيدين لقانون العفو.
فالطاعنون لم يحصلوا على إبطال القانون بكامله، لكن المجلس أقرّ اعتراضات جوهرية وأعاد تحديد نطاق عدد من أحكامه. وفي المقابل، بقي أصل العفو قائماً، مع ما يتيحه من إمكان معالجة بعض آثار التأخير في المحاكمات والاكتظاظ في السجون.
وهذا التوازن يعيد النقاش إلى مسألة أعمق من الخلاف على قانون بعينه: لماذا وصلت الأوضاع القضائية والسجنية في لبنان إلى مرحلة أصبح معها العفو العام مطروحاً بوصفه إحدى وسائل المعالجة؟
لقد أشار المجلس إلى التأخير المزمن في إصدار الأحكام الجزائية، واحتجاز موقوفين لمدد طويلة، والاكتظاظ وسوء أوضاع أماكن التوقيف والسجون، وما ينجم عن ذلك من مساس بكرامة الإنسان وبالمعايير الدنيا لمعاملة السجناء والموقوفين.
وهذه أسباب لا يمكن تجاهلها في أي تقييم جدي للقانون.
لكن العفو، مهما اتسع نطاقه، لا يستطيع وحده إصلاح القضاء أو معالجة أسباب التأخير في المحاكمات. وإذا لم تترافق الاستفادة منه مع إصلاحات مؤسسية تسرّع البت في الملفات، وتضبط التوقيف الاحتياطي، وتحسّن إدارة السجون، فقد تعود الأزمة نفسها لتفرض نفسها بعد فترة.
ومن هنا، فإن الاختبار السياسي الحقيقي للقرار لن يكون في السجال حول من ربح ومن خسر، بل في قدرة الدولة على تنفيذ أحكامه بصورة متساوية وشفافة، وعلى تحويل معالجة الأزمة الحالية إلى مدخل لإصلاح مستدام.
سادساً: العدالة الإنسانية بين السجين والضحية
يبقى البعد الإنساني من أكثر جوانب القرار حساسية.
فالموقوف الذي لم تصدر بحقه إدانة نهائية ليس في الوضع القانوني نفسه الذي يوجد فيه المحكوم بعد محاكمة. وطول التوقيف لا يثبت البراءة، لكنه يثير أسئلة جدية حول قرينة البراءة والحق في المحاكمة ضمن مهلة معقولة.
ولا يعني ذلك أن كل توقيف طويل غير مشروع حكماً؛ إذ تختلف الحالات بحسب طبيعة الاتهامات والوقائع والإجراءات. لكن تأخر المحاكمة سنوات يفرض على الدولة مسؤولية في مراجعة أسباب التأخير، وعدم تحويل عجز المؤسسات عن حسم الملفات إلى عقوبة فعلية تسبق الحكم القضائي.
ومن هنا، فإن أهمية العفو بالنسبة إلى الموقوفين لا تُقاس فقط بعدد الذين قد يخرجون من السجون، بل أيضاً بمدى مساهمته في إنهاء حالات الاحتجاز التي لا تستند إلى مبررات قانونية كافية أو التي طال أمدها على نحو غير معقول.
وفي المقابل، لا يجوز اختزال أهالي الضحايا في كونهم عقبة أمام الإفراج عن السجناء. فلهم الحق في معرفة الحقيقة، وفي المطالبة بالتعويض، وفي احترام حقوقهم وفق القانون.
وقد أكد المجلس ضرورة صون حقوق الغير، وعدم اعتبار العفو سبباً لإهدار الحقوق الشخصية الناشئة عن الجريمة.
وهنا ينبغي التمييز بين إسقاط الدعوى العامة أو العقوبة في الحالات التي يشملها العفو، وبين الحقوق المدنية والشخصية للمتضررين. فالعفو لا يعني تلقائياً محو جميع الآثار القانونية للجريمة، ولا يسقط كل حق بالتعويض.
إن العدالة الإنسانية لا تقتضي إطلاق سراح الجميع من دون تمييز، كما لا تقتضي إبقاء الجميع في السجون إلى أن تتمكن الدولة من معالجة أزماتها. إنها تقتضي أن يُعامل كل شخص وفق وضعه القانوني، وأن تُحترم حقوقه، وألا يُعاقب عملياً بسبب التأخير المؤسسي، وألا تُهدر حقوق الضحايا باسم التسوية.
أما الاكتظاظ وسوء ظروف الاحتجاز، فليسا مجرد مشكلة إدارية. إنهما يمسان كرامة الإنسان، ويستدعيان حلولاً تتجاوز العفو إلى تحسين الرعاية الصحية وظروف الاحتجاز، وتسريع المحاكمات، وتطوير البدائل القانونية للتوقيف والعقوبات السالبة للحرية حيث يسمح القانون بذلك.
العفو ليس بديلاً من العدالة
يمكن قراءة قرار المجلس الدستوري بوصفه محاولة للتوفيق بين صلاحية مجلس النواب في منح العفو العام، وواجب احترام الدستور، وحماية حقوق الموقوفين والمحكومين والضحايا، ومنع الإفلات من المسؤولية في الجرائم التي لا يجوز شمولها بالعفو.
لكن القرار لا ينهي الجدل حول العدالة في لبنان، بل يحدد إطاراً قانونياً يفترض أن يبدأ تطبيقه الآن.
والسؤال الأساسي هو ما إذا كانت الجهات المختصة ستتمكن من مراجعة الملفات بسرعة، والإفراج عن المستفيدين الذين تنطبق عليهم الشروط، واحترام الاستثناءات التي فرضها المجلس، وضمان عدم التمييز بين أصحاب الأوضاع القانونية المتماثلة.
فإذا بقيت الملفات عالقة، واستمر التوقيف الطويل، وبقيت السجون مكتظة، فلن يكون القانون قد عالج سوى جزء من الأزمة.
إن العفو العام قد يكون وسيلة استثنائية لتصحيح اختلالات قائمة، لكنه لا يجوز أن يصبح بديلاً من القضاء، ولا أن يتحول إلى تسوية تُهدر حقوق الضحايا. وفي المقابل، لا يجوز أن يصبح عجز الدولة عن تحقيق العدالة في الوقت المعقول سبباً في استمرار احتجاز أشخاص إلى أجل غير معلوم.


