| إبراهيم الأمين |
ثمة حكاية معروفة في صيدا عن عائلة من حيفا لجأت إلى لبنان في صيف عام 1948، مستندةً إلى جذور لها في “بلاد الشام”. وكانت أسماء أفرادها قد وردت في إحصاء عام 1932، لكن وجودهم في فلسطين حال دون حصولهم على أوراق ثبوتية لبنانية. وفي مطلع عام 1950، تمكّن الأب من استصدار الأوراق اللازمة لجميع أفراد عائلته. لكنه اختار أحد أبنائه ليبقى في لبنان بصفة لاجئ فلسطيني.
كان الشاب، شأنه شأن بقية أفراد العائلة، على ثقة بأن ذلك قد يساعدهم على استعادة الأرض والأملاك عند العودة القريبة إلى حيفا. لكن العودة لم تحصل، وبقي الأمر على حاله حتى اليوم. مات الأب، وكبر الأبناء، ثم جاء الأحفاد. أما الشاب الذي صار اليوم شيخاً طاعناً في السن، فلا يزال يروي الحكاية، ويعرض على محدّثيه علّاقة “مفاتيح الدار” التي يحتفظ بها، فيما يمتعض أبناؤه لأنه رفض السعي إلى استعادة الجنسية اللبنانية. ومع كل مواجهة مع العدو، كان ينتفض كمن يستعد لرحلة العودة. لكن، عند آخر الرواق الطويل في منزله، تقف عجوز تتأفّف وتردد: “ما إلهن أمان أولاد الحرام!”.
أخيراً، كان أحد أحفاد تلك العائلة يجلس مع عائلة نازحة من بلدة عيترون، تقيم مؤقتاً في صيدا. أعاد رواية الحكاية، مضيفاً إليها تفاصيل وتعديلات يصعب التثبت من صحتها. لكنه كان يحثّ “الزوّار” على اختيار منزل يستقرون فيه، محذّراً من أن رحلة النزوح قد تطول. أما الذين يستمعون إليه، فكانوا يرفضون روايته وما تنطوي عليها من تشاؤم، مؤكدين أن الزمن تغيّر، وأن ما تفعله “إسرائيل” لن يدوم، وأن المقاومة ستعيد الأرض عاجلاً أم آجلاً.
منذ زمن طويل، يستعيد ناشطون يعملون في مواجهة حركة الاستيطان بيانات ووثائق ولقاءات وخطوات أقدم عليها مستوطنون في مناطق مختلفة من لبنان وفلسطين المحتلة. وتكشف وثائق تاريخية تتصل بنشاط الوكالة اليهودية عن عمليات شراء أراضٍ في جنوب لبنان، لا تقتصر على أملاك لبنانيين في الجليل وسهل الحولة. ففي بلدة الخيام، لا يزال الأهالي يطلقون تسمية “أرض اليهود” على قطعة عقارية اشتراها يهود في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن يبقى العقار في عهدة مالكه اللبناني بعد قيام كيان الاحتلال. وتُروى وقائع مشابهة عن أراضٍ في محلة المنارة قرب حولا، فضلاً عن القرى السبع التي سُلخت من جنوب لبنان.
وتتصل هذه الوقائع بسردية صهيونية أوسع، تقول إن جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني غرباً، عند القاسمية، وبحيرة القرعون شرقاً، “جزء من أرض إسرائيل الموعودة”.
والتجربة مع “إسرائيل” لا تتيح الاطمئنان إلى ما تفكر فيه أو إلى ما قد تسعى إليه. وقصتها مع جنوب لبنان ومياه الليطاني ليست جديدة، بل تمتد عبر مراحل متعاقبة، تعود خلالها أطروحات السيطرة على الأرض والموارد إلى الواجهة بأشكال مختلفة. وتتجدّد كل مدة، لتذكير اللبنانيين بأن عليهم الاستعداد لمغادرة هذه الأرض، وهو ما يفسر عملية الإبادة العمرانية الشاملة في قرى وبلدات كثيرة في الجنوب.
“المحراث الفضي“
وتكشف تقارير إعلامية إسرائيلية، بينها صحيفة “هآرتس”، عن توجه داخل المؤسسة العسكرية إلى اعتماد سياسة الأرض المحروقة في جنوب لبنان، تحت مسمّى “عملية المحراث الفضي” (Operation Silver Plow). ونقلت الصحيفة عن ضابط كبير قوله إن “معظم ما نفعله الآن ليس قتالاً مباشراً مع حزب الله، بل تدمير منهجي للمباني في قرى جنوب لبنان، والمهمة الوحيدة هي الاستمرار في التدمير”.
وبحسب إفادات جنود أوردتها الصحيفة، وضعت القيادة العسكرية خريطة للمنطقة المحتلة قُسّمت إلى مربعات جغرافية (Polygons)، وخُصّص لكل وحدة ميدانية مربع تتولى تدميره وتسويته بالأرض. ونقلت عن أحد الجنود قوله: “خلافاً لادعاءات الجيش الرسمية، هذه ليست بنية تحتية عسكرية فقط؛ نحن ندمّر كل شيء هناك”.
وتظهر عمليات التدقيق أن سلاح الهندسة القتالي (Combat Engineering Corps) في جيش العدو، يشكل العمود الفقري والتنفيذي لعملية “المحراث الفضي”. وتتولى وحدة “يهالوم” المتخصصة في تفكيك الأنفاق، إعداد المتفجرات الكبيرة، وتنظيم عمليات النسف عن بعد، والتحكم بعملية منسقة لتدمير أحياء بكاملها. كذلك، تُستخدم الجرافات العسكرية الثقيلة من طراز D9 لهدم المنازل وتجريف الأراضي الزراعية وإزالة منشآت مدنية، إلى جانب الاستعانة بـ”شركات مدنية تتقاضى بدل مهام من الجيش، وفق جدول أسعار حسب عدد المنازل والمربعات التي تتم تسويتها بالأرض”.
ويقول قادة عسكريون إن الجيش قرر في مدة معينة التوقف عن استخدام المتفجرات الصناعية نظراً الى كلفتها العالية، ولجأ إلى “نيترات الأمونيوم” المخصصة للزراعة، والتي تشكل نسبة الآزوت فيها أكثر من 36 في المئة، للقيام بعمليات تدمير عشوائي، إضافة إلى الغارات الجوية التي تشير بعض المصادر إلى أنها تنفذ عمليات كجزء من برامج التدريب، وتستخدم ذخيرة غير حديثة، وهو ما يفسر عدم انفجار كل الصواريخ.
استطلاع استيطاني
يتابع العالم هذه الأيام ما تقوم به جماعات “شبيبة التلال” في الضفة الغربية المحتلة، حيث يعمد مستوطنون إلى احتلال أراضٍ زراعية، بعد زيارات متكررة واستعراضية، غالباً ما تجري تحت حماية قوات الاحتلال. ويندرج هذا النشاط ضمن ما يُعرف بـ”الاستيطان الرعوي”، القائم على انتقال المستوطنين إلى الأراضي المستهدفة برفقة قطعان من الماشية، إلى بعض المناطق تحت ذريعة الرعي. لكن سرعان ما تتحول هذه المناطق إلى بؤر استيطانية، تبدأ بنصب الخيام، ثم تتوسع مع إدخال المياه والكهرباء والوحدات السكنية الجاهزة، قبل أن تقرّ حكومة العدو ميزانية لإنشاء مستوطنة رسمية. وخلال هذه المراحل، يتعرض أهل الأرض لضغوط متزايدة، ويُمنعون من الوصول إلى حقولهم قبل طردهم من أراضيهم.
وفي لبنان، ثمة تيار صهيوني يدعو صراحة إلى الاستيطان في الجنوب. وبينما أخفقت محاولات سابقة في تحقيق هذا الهدف، يبدو أن جماعات معنية بالمشروع وجدت في نتائج الحرب الأخيرة فرصة لتوسيع تحركاتها، فبدأت عمليات استطلاع ميدانية، شملت تسلّل أفراد منها إلى الأراضي اللبنانية. وقد سُجّلت في هذا السياق محاولات عدة، أبرزها تسلّل مجموعة من ناشطي حركة “أوري تسافون” إلى منطقة مجرى نهر الحاصباني في تموز الماضي، قبل أن تعبر مجموعة أخرى مؤلفة من عشر إسرائيليات الحدود وتمكث في منطقة نبع الوزاني.
وتكشف متابعة هذه التحركات أن القائمين بها ينتمون إلى منظمات استيطانية معروفة، لكن الأنظار تتجه خصوصاً إلى حركة “أوري تسافون”، التي تأسست في حزيران 2024، وعقدت سلسلة مؤتمرات عبر الإنترنت ناقشت خلالها تصورات وخططاً لاحتلال أجزاء من جنوب لبنان وإقامة مستوطنات فيها. وتؤمن هذه الحركة بأن لليهود “حقوقاً دينية وتاريخية في أرض لبنان، وأن تفسيرات التوراة تقول إن هذه المنطقة جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل الكاملة”. وفي أدبيات الحركة، أساطير وروايات تربط جنوب لبنان بأراضي سبطَي أشير ونفتالي، وهما من أسباط بني “إسرائيل” وفق الرواية التوراتية. وقد عملت على بناء سردية متكاملة تتضمن اقتراح أسماء عبرية بديلة للقرى الجنوبية. مثل اسم “مي ماروم” (May Marom) لبلدة مارون الراس الحدودية.
واللافت أن الحركة ليست بعيدة عن قيادة حكومة العدو. فمن أبرز منظّريها المؤرخ الصهيوني حاغاي بن أرتزي، شقيق سارة نتنياهو، زوجة رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو. وهو من أطلق شعاراً يردّده أعضاء الحركة، ويقول “نحن لا نحتل أرضاً أجنبية في جنوب لبنان، بل نستكمل السيطرة على أرض تشكل الامتداد التاريخي والطبيعي لمنطقة الجليل”. وهو ممّن يحثّون المستوطنين على الذهاب إلى الجنوب اللبناني لأنهم بذلك “يقومون بواجب توراتي، وينفّذون أمراً إلهياً”. كما اقترح بن أرتزي على أعضاء حركته، في لقاء علني، أن تحمل أول مستوطنة تُبنى قرب نهر الليطاني اسم Arzei Levanon (أرز لبنان).
عودة إلى المنظمات الأميركية
لكن المشاريع الصهيونية، كما في محطات سابقة، لا يمكن أن تنجح من دون دعم وحضور أميركيَّين. وفي هذا السياق، تبرز واجهة جديدة تحت عنوان الخدمات الإنسانية، يتقدمها بلال معدراني، المعروف في الولايات المتحدة باسم بيل معدراني (Bill Maadarani)، وهو أميركي من أصول لبنانية تعود عائلته إلى قضاء زحلة. ويشغل معدراني منصب رئيس “المؤسسة الأميركية من أجل لبنان” (AFOL)، كما يرأس مجلس “مستشاري الأمن في الخارج” (OSAC)، التابع لوزارة الخارجية الأميركية. وتعمل المؤسسة في لبنان بالتنسيق مع الجيش اللبناني والصليب الأحمر.
تقدّم مؤسسة AFOL نفسها بوصفها جهة متخصصة في توفير الدعم الإنساني واللوجستي، وتنشط حالياً في ما يُعرف بـ”المثلث المسيحي” في قضاء بنت جبيل، الذي يضم بلدات رميش وعين إبل ودبل. وتشمل أنشطتها تأمين مساعدات غذائية عبر قوافل يُنسّق تحركها مع الجيش اللبناني من جهة المناطق المحررة، ومع قوات الاحتلال من جهة الأراضي المحتلة. وتدّعي المؤسسة أن التنسيق يجري عبر لجنة “الميكانيزم”، وأنها لا تتواصل مباشرة مع القوات الإسرائيلية. لكن الأهم، هو أنها في عملها على تأمين الممرات الإنسانية، تستعين بخدمات شركة تدعى”Cyclops Defens”، وبالتنسيق أيضاً مع الجيش اللبناني، كما وقعت مذكرة تفاهم مع جمعية الطاقة الاغترابية اللبنانية (LDE) لدعم مشاريع التنمية.
و”Cyclops Defense”، شركة تكنولوجيا دفاعية وأمنية أميركية، يديرها (للمصادفة!) معدراني نفسه، وقد تأسست عام 2017 ولديها مكاتب في واشنطن وولاية ميشيغان وفي بيروت. وتتركّز مهمتها الرئيسية على دور الوسيط والمصنّع والجهة التي تدمج أنظمة (بإشراف الخارجية الأميركية) الطائرات المسيّرة (UAV / UAS) ومتابعة أوضاع الحدود، إضافة إلى الاتصالات التكتيكية والرادارات. كما تقدم خدمة أخرى تتعلق بـ”الاستجابة للأزمات وتحقيق الاستقرار في مناطق ما بعد النزاع”، وهو برنامج تقوده الخبيرة سارة سكاهيل، المعروفة بأنها تمثل الذراع السياسية لمؤسسة التنمية الأميركية (USAID)، ولها نشاط في كل مناطق التوتر في المنطقة، وتبرر تعاونها مع جهات أمنية، بأنها تحتاج إلى “إحاطة أمنية من قبل جهات موثوقة”، ما يقودها مباشرة إلى محطات الاستخبارات المركزية الأميركية في الدول التي تعمل فيها.
وبحسب مصادر عسكرية لبنانية، فإن اجتماعات عدة عقدت مع معدراني تناولت تصورات وأفكاراً للعمل في المرحلة المقبلة، إذ قال إن واشنطن أبلغته ضرورة التعاون مع الجيش وقوى الأمن وإنه بصدد الحصول على تمويل لتعزيز قدرات القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية في المناطق التي ستنسحب منها “إسرائيل”. كما طلب تسهيلات لعمل فرقه التي قال إنها تنشغل الآن بالمهام الإنسانية. وبحسب المصادر فإن معدراني تحدث عن تمويل أولي يصل إلى نحو 200 مليون دولار سوف تتولى الإدارة الأميركية توفيرها، سواء من الحكومة الأميركية أو من دول صديقة وحليفة مهتمة بالوضع في لبنان.
عملياً، ما يجري يقود إلى خلاصة مثيرة للقلق، كون المشروع الأميركي لا يهدف إلى تحرير الأرض وإعادة الناس إلا وفق شروط تناسب “إسرائيل”، والخطير أن المنظمات الأميركية، كالتي يقودها معدراني، لا تهتم لما هو ضروري كانسحاب قوات الاحتلال، بقدر ما تهتم بتوفير الأرضية لكل برامجها الأمنية والعسكرية، أما ما يندرج تحت عنوان الدعم الإنساني، فليس سوى واجهة كما هي حال كل ما تقوم به أميركا.
لكن السؤال الأهم: كيف يتصرف هؤلاء مع مشروع الاستيطان؟



