الرئيسيةSliderالأمن في لبنان "عَ القَطعة".. التزموا بالقانون ليوم واحد!

الأمن في لبنان “عَ القَطعة”.. التزموا بالقانون ليوم واحد!

| خلود شحادة | 

في لبنان، يبدو أن الأمن يعمل بنظام الحملات الموسمية: جولة أمنية تُعلَن مسبقاً، عناصر تنتشر في الشوارع، مخالفات تُضبط، ومشهد يوحي بأن الدولة قررت أخيراً فرض هيبتها. لكن ماذا بعد؟ تنتهي الجولة، ويعود كل شيء إلى ما كان عليه، كأن القانون إجراء استثنائي يُطبَّق لساعات، لا قاعدة يفترض أن تحكم الشارع في كل يوم.

تُعلَن جولة لقوى الأمن وعناصر البلدية قبل يوم من تنفيذها. أي إن من يُخالف القانون يعرف مسبقاً أن هناك تحرّكاً سيحصل، ويملك الوقت الكافي للتصرّف على هذا الأساس، وإزالة ما قد يعرّضه للمساءلة. فكيف يمكن توقّع نتائج فعّالة من إجراء يعرف المعنيون موعده قبل أن يبدأ؟ والأهم، لماذا يحتاج ضبط المخالفات إلى إعلان مسبق، فيما يفترض أن تكون الملاحقة الأمنية عملاً يومياً لا يرتبط بجدول جولات معلنة؟

لكن اختزال المشكلة بالإعلان المسبق يعني تفويت جوهرها. فالسؤال الحقيقي هو: أين الأمن في الأيام التي لا تشهد جولات؟ كيف يمكن أن تنتشر العناصر لضبط المخالفات في يوم محدّد، ثم يعود الشارع إلى الفوضى، وتبقى مخالفات واضحة قائمة، ويمرّ شخص مخالف أمام حاجز من دون أن يتحرّك أحد لمساءلته؟ كيف يصبح تطبيق القانون مرتبطاً بوجود حملة، فيما يفترض أن يكون الحاجز نفسه نقطة لتطبيقه، والجولة امتداداً لعمل مستمر، لا بديلاً عنه؟

هكذا تتحوّل الإجراءات الأمنية إلى “فوعة” مؤقتة: استنفار في يوم، حضور مكثّف في الشوارع، وربما صور وتقارير عن ضبط المخالفات، ثم تراجع في المتابعة وعودة تدريجية إلى الواقع نفسه. المشكلة ليست في أن تتحرّك القوى الأمنية والبلدية، بل في أن يبدو تحرّكهما حدثاً استثنائياً، فيما يفترض أن يكون فرض القانون من أبسط وظائف الدولة وأكثرها استمرارية.

والنتيجة أن المواطن لا يعود يسأل فقط عن عدد المخالفات التي ضُبطت، بل عن مصيرها بعد انتهاء الجولة، وعن المعايير التي تحدّد مَن يُحاسَب ومَن يمرّ من دون مساءلة. فالدولة لا تثبت حضورها بعدد العناصر الذين تنشرهم في الشارع لساعات، بل بقدرتها على منع المخالفة وملاحقتها في أي وقت، وعلى تطبيق القانون على الجميع، لا فقط حين تكون هناك حملة معلنة.

الأمن ليس جولة، ولا استنفاراً ينتهي بانتهاء دوام العناصر، ولا مشهداً يظهر فجأة ثم يختفي. الأمن أن يعرف المخالف أن القانون سيلاحقه اليوم وغداً، سواء كانت هناك جولة معلنة أم لا، وأن يدرك المواطن أن الحاجز موجود لحمايته وتطبيق القانون، لا أن يتساءل لماذا يُشدَّد التدقيق في يوم، ويغيب في يوم آخر.

في بلد تتراكم فيه المخالفات وتتراجع فيه الثقة بقدرة المؤسسات على ضبط الشارع، لا يكفي أن تستيقظ الدولة ليوم واحد. المطلوب أن تبقى مستيقظة. وإلا، فما جدوى كل هذه الجولات إذا كانت الفوضى تعرف مسبقاً أنها تستطيع الانتظار حتى تنتهي؟

شريط الأحداث