الرئيسيةSliderنواف سلام.. أن تأتي متأخراً!

نواف سلام.. أن تأتي متأخراً!

| خلود شحادة |

في المكتبة الوطنية، وفي مناسبة احتفالية بمئة عام على الدستور، قدّم نواف سلام واحداً من أكثر خطاباته وضوحاً منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة. أهمية الخطاب لا تكمن في أن ما قاله جديد على قاموسه السياسي، بل في أنه جمع للمرة الأولى معظم العناوين التي خاض من خلالها مرحلته السياسية داخل إطار واحد: الدستور، الطائف، المؤسسات، سيادة الدولة، حصر القوة الشرعية، ودولة القانون.
والأهم أنه فعل ذلك من دون الدخول في السجال السياسي المعتاد، ومن دون تسمية خصوم أو توزيع اتهامات، ومن دون “لطوشة” سياسية وغمز ولمز تجاه “حزب الله” وحلفائه، بل انطلق من قاعدة يفترض أن تكون بديهية في أي دولة، هناك دستور يجب أن يُحترم، ومؤسسات يجب أن تعمل، وقانون يفترض أن يسري على الجميع.

سلام، الذي أمضى جزءاً كبيراً من المرحلة الماضية في قلب الاشتباك السياسي، اختار هذه المرة أن يرفع النقاش من مستوى الخلاف بين القوى السياسية إلى مستوى السؤال عن الدولة نفسها.
أدرك سلام، ولو متأخراً، أنه ومن موقعه كرئيس حكومة جاء من خارج العباءات السياسية في لبنان والاصطفافات الحزبية، كان لا بدّ له أن يكون رئيساً لكل اللبنانيين، يحكي من خلفية دولة القانون لا من “تعبئة سياسية”، ولا أن يكون همه إرضاء هذا أو ذاك.. بل أن يكون همه الأول والأخير مصلحة الوطن والمواطن.
وبدلاً من أن يقول من أخطأ ومن أصاب، سأل عملياً: من يملك القرار؟ وأين يجب أن تُتخذ القرارات السيادية؟ وما الذي بقي من الطائف بعد أكثر من ثلاثة عقود؟ وحين قال إن لا معنى لسيادة الدولة إذا كانت قرارات مثل الحرب والسلم والأمن الوطني تُتخذ خارج مؤسساتها الدستورية، كان يضع النقاش في مكان مختلف تماماً عن الخطابات السياسية اليومية. إنها، ببساطة، لغة دولة أكثر منها لغة مواجهة سياسية، وهذا أمر بديهي وطبيعي، وتتم مناقشته تحت سقف القانون على طاولة تجمع الكل.

من أكثر النقاط أهمية في خطابه حين سأل: “هل طبّقنا الطائف فعلاً، أم أننا طبقنا منه ما أعاد توزيع السلطة وأجلنا ما كان يفترض أن يطوّر الدولة؟”. السؤال لا يطال فريقاً بعينه، بل يضع الطبقة السياسية بأكملها أمام مسؤولية ثلاثة عقود من التعامل الانتقائي مع اتفاق الطائف؛ أخذ ما يكرّس موازين القوى وتأجيل ما يبني مؤسسات الدولة.
ولم يختصر “الطائف” كما كان يفعل، بقرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيد الدولة، بل إنه عرّج على أكثر ما يحتاجه لبنان فعلاً، اصلاح قانون الأحوال الشخصية بعيداً عن الطائفية والزبائنية التي نخرت في جذور السلطة اللبنانية.

كذلك، في حديثه عن النظام اللبناني برمّته، فقد كرّس لبنان المناصفة، لكنه لم ينشئ مجلس الشيوخ. تحدث عن إلغاء الطائفية السياسية، لكنه لم يضع المسار العملي لتحقيقها. أقرّ مبدأ اللامركزية، لكنها بقيت مشروعاً مؤجلاً. وتحدث عن دولة المؤسسات، فيما تقدمت الأعراف وتوازنات القوى في مراحل كثيرة على النص الدستوري. وكأن سلام يقول إن المشكلة لم تكن دائماً في غياب النصوص، بل في أن السياسة اللبنانية اعتادت اختيار ما يناسبها من النص وترك ما يقيّدها جانباً.

سلام، الذي دخل رئاسة الحكومة بصورة الرجل القادم من خارج النادي التقليدي للسلطة، وجد نفسه خلال الأشهر الماضية مضطراً إلى العمل داخل قواعد اللعبة السياسية نفسها: تفاوض مع القوى، موازنة مصالح، صدامات، تسويات، ضغوط، شارع، وخصوم سياسيون. ومع الوقت، بدا أن السياسة التي يفترض أن تكون وسيلة لحماية مشروع الحكومة أصبحت جزءاً من المشكلة التي تواجهها. القوى التي كان يفترض أن تشكل غطاءً سياسياً للحكومة لم تتردد، عند اصطدام بعض خياراتها بمصالحها، في ممارسة الضغط عليها، فيما وجد سلام نفسه أمام شارع بدأ يحاسبه على ملفات الفساد والأعباء المالية والاجتماعية والسياسات الحكومية، وصولاً إلى الحديث عن احتمال إسقاط الحكومة تحت ضغط الشارع.

وهنا يمكن قراءة خطاب المكتبة الوطنية باعتباره نوعاً من “الاستشعار” السياسي. فبعد كل هذا الاشتباك، يبدو أن سلام وصل إلى خلاصة مفادها أن السياسة وحدها لا تحمي حكومة ولا تبني دولة. السياسي يستطيع أن يعقد تسوية مع سياسي آخر، وأن يساوم، وأن يؤجل، وأن يوزع التنازلات، لكن الدولة لا تستطيع أن تعمل بهذه الطريقة إلى ما لا نهاية. الدولة تحتاج إلى قواعد ثابتة، وإلى مؤسسات واضحة الصلاحيات، وإلى قانون يسري على الجميع، وإلى قرار سيادي لا يخضع في كل مرة لموازين القوى.

لذلك كان الانتقال في خطاب سلام من السياسة إلى القانون مهماً. حين يقول إن قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني يجب أن تُتخذ داخل المؤسسات الدستورية، فهو لا يدخل في سجال مباشر مع أي طرف، بل يضع المسألة في إطار قانوني ودستوري. وحين يقول إن الدولة لا يمكن أن تكون دولة قانون إذا لم يسر القانون على الجميع، فهو يفتح الباب أمام معيار مختلف للمحاسبة: ليس من يملك القوة السياسية أو الشعبية، بل من يخضع للقانون ومن لا يخضع له.
وهذه النقطة تحديداً هي الأكثر إيجابية في خطاب سلام، لأنها تخرج النقاش من منطق “من معنا ومن ضدنا؟” إلى منطق “ما هي القاعدة التي تنطبق على الجميع؟”. فالحديث عن الدولة لا يكتسب قيمته عندما يستخدم في مواجهة الخصوم فقط، بل عندما يصبح مبدأ عاماً ينطبق على الحلفاء والخصوم معاً. وإذا كان قرار الحرب والسلم يجب أن يكون في مؤسسات الدولة، فهذا المبدأ لا يتجزأ. وإذا كان السلاح الشرعي يجب أن يكون بيد الدولة، فالدولة نفسها مطالبة بأن تكون دولة قوية بمؤسساتها لا بشعاراتها. وإذا كان الطائف يجب أن يطبق، فلا يمكن استحضار بنوده عندما تخدم طرفاً وتأجيلها عندما تمس مصالح طرف آخر.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم سبب أهمية سؤال سلام عن الطائف أكثر من أي هجوم سياسي مباشر. فهو عملياً يحمّل الطبقة السياسية مسؤولية الفشل في بناء الدولة، بما فيها القوى التي استخدمت الطائف لسنوات كمرجعية سياسية، ثم تعاملت مع بنوده باعتبارها قائمة خيارات: نأخذ ما يعزز مواقعنا ونؤجل ما يفرض علينا التزامات، وهذا مهم جداً، تحدث من خارج المنظومة، محملاً المسؤولية للجميع من دون استثناء.
بهذا المعنى، لا يعود الخلاف فقط على السلاح أو على صلاحيات الحكومة، بل على نموذج الدولة نفسه: هل تكون الدولة نتيجة لتوازنات القوى، أم تكون المؤسسات والقانون هي التي تحدد حدود تلك القوى؟

لكن خطاب الدولة يضع سلام نفسه أمام امتحان أيضاً. فحين يقول إن القانون يجب أن يسري على الجميع، تصبح الحكومة مطالبة بأن تمارس هذا المبدأ قبل أن تطلب من الآخرين احترامه. وحين يتحدث عن دولة المؤسسات، تصبح مؤسسات الدولة مطالبة بإثبات قدرتها على العمل بعيداً عن المحاصصة والانتقائية. وحين يطالب بتطبيق الطائف كاملاً، يصبح السؤال أيضاً عن الإصلاحات التي بقيت مؤجلة، لا فقط عن البنود التي تخدم المعركة السياسية الراهنة.
فهل سيتمكن سلام من تحقيق ما لم تستطع السلطات السابقة فعله عبر الدعم الدولي الذي يحظى به؟
وهل تم تطمينه بجدارات دعم جديدة تحصّنه من ريح النقمة الدتخلية و”الطعن” السياسي من حلفائه قبل خصومه مما دفعه إلى رفع السقف تجاه كل المشاركين بالحكم منذ سنين حتى اليوم؟

شريط الأحداث