قدّم رئيس الجمهورية جوزف عون طعناً جزئياً أمام المجلس الدستوري في قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة هيكلتها، وتحديداً المادة 3 منه التي تعنى باستقلالية أوضاع المصارف بناء على اعتبار المصرف المركزي أن المادة كما أُقرت تتعارض مع قانون النقد والتسليف.
وجاءت خطوة عون بعد ساعات من لقاء رئيس الحكومة نواف سلام المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في مقر الصندوق في واشنطن، وهو ما ترك انطباعات أن توقيت الطعن أحرج رئيس الحكومة.
وبحسب المُعطيات، فإن الطعن مبنيّ بشكل أساسي على أن النص الذي أقرّه مجلس النواب أخيراً لم يُراعَ فيه قانون النقد والتسليف الذي يمثّل أساس القوانين المالية والمصرفية في لبنان.
ويرتّب الطعن نتائج كبيرة، ولا سيما أن إقرار القانون كان إحدى ركائز العلاقة مع صندوق النقد الدولي، وموادّه كلّها صاغها الصندوق، كما أن الطعن يأتي مباشرة بعد مشاركة رئيس الحكومة في اجتماعات الخريف لصندوق النقد الدولي والتي كان يتوقّع من خلالها أن تكون مفتاح توقيع اتفاق على مستوى الموظفين مع الصندوق، بحسب صحيفة “الأخبار”.
في الزيارة الأخيرة التي قام بها فريق صندوق النقد الدولي إلى لبنان، كان موضوع توقيع على مستوى الموظفين جزءاً أساسياً من النقاش الدائر مع المسؤولين اللبنانيين. رئيس الحكومة نواف سلام كان مهتماً بشكل أساسي بهذا الأمر، لأنه يريد أن يقدّم الاتفاق باعتباره إنجازاً له ولحكومته التي توصف اليوم على نطاق واسع بأنها حكومة فاشلة.
وكانت ذريعة سلام أن الركائز الأساسية التي طلبها صندوق النقد الدولي حقّقتها الحكومة، ولا سيما لجهة إقرار التعديلات على قانون إعادة هيكلة المصارف، ثم إقرار قانون الانتظام المالي، وإقرار قوانين أخرى مثل التعديلات على قانون السرية المصرفية وسواها.
يُنقل عن سلام أنه كان يحاجج بأن إقرار هذه القوانين في مجلس الوزراء كافٍ لتوقيع اتفاق على مستوى الموظفين، وهو ما حصل سابقاً أيام الرئيس نجيب ميقاتي، لكنّ ممثّلي صندوق النقد أبدوا تحفّظاً على ذلك. وبالتالي كانت الحجّة متماسكة نسبياً مع إقرار التعديلات التي طلبها الصندوق على قانون إعادة هيكلة المصارف، وهي تعديلات واسعة تشمل غالبية البنود التي أُقرّت سابقاً. ولم يكن يتوقّع أحد أن تحصل خطوة كالتي فعلها رئيس الجمهورية جوزف عون بتقديم طعن في قانون إعادة الهيكلة فقط من أجل عبارة رفض الصندوق تضمينها في المادة الثالثة، وهي: “مع مراعاة المادة 70 من قانون النقد والتسليف”.
لا يمكن إلّا أن يُنظر إلى خطوة عون بأنها ستعرقل العلاقة مع الصندوق، سواء قصد ذلك أم لم يقصد. ولا يمكن حصر نتائج الطعن بذلك، إذ إن هذه الخطوة تعني أن رئيس الجمهورية يعمل وفق ما هو سائد في لبنان، بأنه لا يمكن مشاركة صلاحيات حاكم مصرف لبنان مع أحد. فالحاكم، كما هو معروف يكون مارونياً، ولا يمكن إلّا أن يكون هناك تشدّد في هذه المسألة لتكون واضحة خلافاً لما أراد صندوق النقد الدولي الذي انتزع عبارة “مع مراعاة قانون النقد والتسليف” من المادة الثالثة في القانون أثناء مناقشتها في لجنة المال والموازنة. كان العرّاب في انتزاع هذه العبارة هو وزير المال ياسين جابر بشكل مباشر، ورئيس الحكومة نواف سلام بشكل غير مباشر.
أيضاً، هذا الطعن يعني أنه لم يعد ممكناً التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين سريعاً. ويتماهى الطعن مع ورقة الحاكم كريم سعيد التي قدّمها لصندوق النقد الدولي بشأن صلاحياته الحصرية في تطبيق القوانين المتعلقة بالمصارف. فهو أبلغهم بشكل مباشر وواضح، أنه الوحيد صاحب الصلاحية، وأن خطّته لتوزيع الخسائر يجب أن تُقبل كما هي من دون نقاش ولا قيد أو شرط.
إذاً، الطعن هو مقدّمة لهذا النقاش المتعلق بتوزيع الخسائر أيضاً. وتوزيع الخسائر لا يتعلق بالمحاسبة لأن أسس المحاسبة والمُساءلة “أُلغيت” من قانون إعادة هيكلة المصارف. والحاكم يسعى كما هو واضح من خطته التي قدّمها لصندوق النقد، إلى أنه لا يريد أي تغيير في بنية ملكية المصارف التي يصدف أن غالبيتها مملوكة من جهة طائفية واحدة.
على أي حال، إن عقدة تضمين المادة 70 من قانون النقد والتسليف في المادة 3 من قانون إعادة هيكلة المصارف تعود إلى أشهر مضت. فلم يكد يصدر قانون إعادة الهيكلة في السنة الماضية، حتى تلقّت وزارة المال رسالة من صندوق النقد الدولي تشير إلى أن الصندوق يقترح تعديلات لأن القانون كما أُقرّ لا يلبّي المعايير. وفي حينه أُعدّت التعديلات، وبعد نقاش أُقرّت في مجلس الوزراء ثم أحيلت إلى مجلس النواب حيث بدأت لجنة المال والموازنة تناقشها.
يومها قرّر الحاكم توجيه اعتراضات إلى اللجنة بشأن المادتين 3 و13، وطلب الحاكم إدراج عبارة “مع مراعاة أحكام المادة 70 من قانون النقد والتسليف” في المادة 3، موضحاً أن الهدف هو منع الالتباس بين صلاحيات المجلس المركزي لمصرف لبنان وصلاحيات الهيئة المصرفية العليا. أي إنه لن يكون بإمكان الهيئة المصرفية العليا أن تقوم بأي أمر يتعارض مع صلاحيات الحاكم المنصوص عنها في المادة 70 من قانون النقد والتسليف والتي تُعدّ صلاحيات مرجعية أو عليا. واللافت أن هذه الصلاحيات تتيح له القيام بكل ما يريده بحجّة “المحافظة على سلامة النقد والاستقرار الاقتصادي وسلامة النظام المصرفي”. وهذه الصلاحيات استخدمها في كثير من الأحيان حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة للقيام بالكثير من المسائل التي يعترض عليها الآخرون الآن أو يعتبرونها هدراً وسرقة للمال العام.
المهم، حصل نقاش واسع في لجنة المال، واعترض النواب على التدخّلات الفائقة من صندوق النقد، لكنهم أذعنوا جماعياً لمطلبه بوجه مطلب الحاكم، فانتُزعت العبارة المطلوبة من النص، باعتبار أن قانون إعادة الهيكلة لا يلغي ولا يتعارض مع قانون النقد والتسليف. ثم أقرّت الهيئة العامة التعديلات، وصولاً إلى الطعن المُقدّم من رئيس الجمهورية. وهو ليس الطعن الأول، إذ سبق أن قُدّمت طعون في القانون عندما أُقرّ في عام 2025 وقرّر المجلس الدستوري إبطال بعض أحكامه، فهل يوافق المجلس على طعن الرئيس ويفرض الصلاحيات لمصرف لبنان؟


