| جورج علم |
لم يحدّد “الذكاء الاصطناعي” من سيفوز في الانتخابات، سواء في “إسرائيل” أو الولايات المتحدة، ولم يضمن اختراقاً سيبرانياً قد يحصل من قبل أي جهة خارجية ويحدث انقلاباً في النتائج التي تظهرها حالياً مراكز الاستطلاعات.
الثابت الذي يُبنى عليه أن الانتخابات العامة في تل أبيب والنيابية النصفيّة في واشنطن قد بدّلت الأولويات، واحتلت مركز الصدارة، لا لكونها مصيرية بالنسبة لبنيامين نتنياهو ودونالد ترامب فحسب، بل لكونها مفصلية وتحمل في طياتها الكثير من التغييرات التي قد تدهم “استراتيجيتهما” المتبعة في الشرق الأوسط، والتي تتأرجح حالياً ما بين النجاح والفشل.
تكفي الإشارة إلى أن الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء الكنيست السادس والعشرين، المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، تجري لأول مرة في موعدها القانوني دون حلّ مبكر منذ عام 1988، وتشكّل استفتاءً شعبياً مباشراً حول ما خلّفته أحداث 7 تشرين الأول 2023 من تداعيات مصيرية تعزّزها نتائج الحروب التي خاضها بنيامين نتنياهو على قطاع غزة، وإيران، ولبنان، والضفة الغربية، وسوريا، والتي ترسم في الأفق تحديات مصيرية مستقبلية.
وقبل شهر من موعد فتح صناديق الاقتراع، ظهر تحوّلان:
الأول: شطب القوائم ومنع الأحزاب العربية من الترشح من قبل “أعضاء اللجنة المركزية للانتخابات” الذين اتخذوا القرار، وهم من المحسوبين على اليمين المتشدد، وفاز القرار بأغلبية 31 صوتاً مقابل 4 أصوات معارضة من الأحزاب العربية. والثاني: توقيع رؤساء أحزاب المعارضة الخمسة، السبت الماضي، على “وثيقة مبادئ” تضمّنت العمل على رفع نسبة التصويت للعسكر، وتحقيق أغلبية في الانتخابات، والتعهد بالعمل المشترك لتشكيل الحكومة، ومنع نتنياهو من الاستمرار في سدة القرار.
بالمقابل، وعلى خطّ موازٍ، تشكّل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقرّر إجراؤها في 3 تشرين الثاني المقبل محطة فاصلة لتحديد ميزان القوى السياسية ومسار العمل التشريعي في النصف الثاني من ولاية الرئيس دونالد ترامب، وسط مناخ عارم بالقلق الاقتصادي والصراعات الداخلية حول أولويات المرحلة الحالية والمستقبلية للولايات المتحدة، في ظل سياسة الهيمنة والتوسع المتبعة من قبل إدارة ترامب.
وتحدثت “نيويورك تايمز” في مقال رأي عن “اتساع حضور أفكار مرتبطة بالنازية الجديدة وتفوّق العرق الأبيض داخل بعض دوائر اليمين الجمهوري”، بينما رصدت مجلة “تايم” استعدادات ديمقراطية واسعة ومنسقة على المستوى الوطني لمواجهة احتمالات الترهيب أو التدخل عند مراكز الاقتراع.
وتسلّط المقالات والتقارير التي تنشرها صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” ومجلة “تايم” الضوء على طبيعة الأجواء المشحونة بالتوتر، والغضب العارم من المؤسسة السياسية الأميركية، وصعود تيار “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا”، و”الإحباط الشديد من الأداء الاقتصادي”.
وتختزل الوضع المرشحة الديمقراطية إيلين لاوباشر بالقول: “الناس يبحثون عن الجدية، وعن أشخاص لا يعتقدون أنهم سياسيون فعليون، ولا يسعون إلى أن يصبحوا مشاهير على الإنترنت أو أثرياء أو أقوياء… إنهم يريدون شيئاً مختلفاً”.
ويقرّ الاتحاد الأوروبي بأن الانتخابات تحتل أولوية الاهتمامات، سواء في الولايات المتحدة أو “إسرائيل”، وأن العالم دخل في إجازة مفتوحة يسودها عدم اليقين وقد تمتد حتى مطلع كانون الثاني المقبل؛ وبالتالي يجب التكيف مع هذه الحالة وفق الممكن والمستطاع.
ولن يكون لبنان حالة استثناء، فقد عاد رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام من واشنطن بـ”وديعتين” و”وعدين”.
الوديعة الأولى، أن واشنطن مؤتمنة على “اتفاق الإطار” ومُلتزمة بوضعه موضع التنفيذ. والثانية، أن دعم الجيش والمؤسسات الأمنية التزامٌ لا عودة عنه، وهناك مسار معتمد من قبل وزارة الدفاع بالتنسيق مع الكونغرس يأخذ طريقه نحو التنفيذ وفق الخطوات المقرّرة.
أما في ما يتعلّق بـ “الوعدين”، فالأول يقول إن لا فراغ أمنياً في الجنوب، ومن الآن وحتى موعد رحيل قوات “اليونيفيل” مطلع كانون الثاني المقبل سيكون هناك ما يمنع حصول أي فراغ، وإن كان التوجه يميل نحو تمديد مهام “اليونيفيل” ستة أشهر إضافية، وقد بدأ هذا الطرح يكتسب نوعاً من الاهتمام داخل كواليس عواصم القرار. وأما الثاني فهو مساعدة لبنان على إجتياز هذه المرحلة الفاصلة، التي قد تمتد حتى مطلع العام المقبل، اقتصادياً عبر محورين: التوصل إلى تفاهمات معقولة ومتوازنة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والعمل بجدية على عقد مؤتمر للدول المانحة برعاية أميركية بهدف توفير وسائل الدعم.
وثمّة إشارة يمكن التوقف عندها: فقد اصطحب وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مستشاره للشؤون اللبنانية الأمير يزيد بن فرحان للمشاركة في الاجتماع الذي عقده الاثنين الماضي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن. حصل ذلك بعد اللقاء الذي جمع الرئيس سلام مع وزير الخارجية الأميركي، حيث جرت محادثات شاملة وصفها بـ “التمام”.
ومن نافل القول إن العالم سيقف على رجل واحدة من الآن وحتى تاريخ إنجاز الاستحقاقين في كلّ من واشنطن وتل أبيب؛ فالتطورات متسارعة، والشرق الأوسط يمسي على حال ويستيقظ على جديد مختلف، خصوصاً وأن ملفاته المفتوحة نفطياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً قد تحولت إلى أسهم في بورصة الانتخابات.
وينطبق الحال على الوضع في الجنوب؛ إذ ليس من مسؤول لبناني يملك صندوق المعلومات حول ما قد يحصل في اليوم التالي، لكن المتداول في بعض الكواليس الدبلوماسية المعتمدة يتمحور حول احتمالين: الأول قد يأخذ المسار الدبلوماسي التفاوضي حول “اتفاق الإطار” إجازة قد تمتد حتى مطلع العام المقبل. الثاني، حماية الدولة ومؤسساتها، فالانهيار خط أحمر وممنوع إسقاطها في الشارع، وممنوع أي انقلاب أو محاولات انقلابية تؤدي إلى الخروج من تحت المظلة الأميركية ـ السعودية. فالصنارة اللبنانية لا تحتاج إلى أي تعريف، والطعم الأميركي ليس بجديد؛ الجديد هو البحر الهائج في الشرق الأوسط… ولّاد المفاجآت!


