الرئيسيةSliderخط "التوتر العالي" فوق بيروت

خط “التوتر العالي” فوق بيروت

| جورج علم |

بمعزل عن النتائج، وما جرى بحثه خلف الكواليس، يشكّل لقاء رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام مع كلّ من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خروجاً – ولو شكلياً – من “الشرنقة” الأميركية، إلى الشرفة المطلة على عواصم دول القرار بشرقها وغربها، بحثاً عن مزيد من الأوكسجين الذي تحتاجه الرئة اللبنانية المتهالكة.

ويبقى الحديث عن نتائج اللقاءات المكثفة التي عقدها سلام مع رؤساء الدول والوفود المشاركة في الدورة العادية الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة سابقاً لأوانه، لكن التوقيت مهم، ويتزامن مع تحولات في العلاقات الأميركية – السعودية قد تؤدي إلى إعادة النظر في الترتيبات الأمنية والعسكرية المعمول بها منذ العام 1991، والتي شكّلت ذروة التحول الاستراتيجي بين البلدين، وجاءت كإجراءات مباشرة لمواجهة تداعيات “غزو الكويت”، وصياغة مشهد أمني جديد في منطقة الخليج.

وإذا كان لبنان بحاجة ماسة إلى الخيمة الأميركية – السعودية ليتقي نزلات البرد القارس التي تنهك جسده الأمني والسياسي والاقتصادي نتيجة الأعاصير المتمادية في الشرق الأوسط، فإن هذه الخيمة أصبحت بدورها في مهبّ ريح معاكسة تضربها بقوة في الآونة الأخيرة، بعدما تمدّد “الحوثي” في اليمن، ليبلغ عتبة باب المندب.

وتفادياً لمفاجآت لا تُحمد عقباها، أرسلت وزارة الخارجية الأميركية في 17 أيلول الجاري “دعوات أولية” إلى قادة دول مجلس التعاون الخليجي للاجتماع مع الرئيس دونالد ترامب في نيويورك، بهدف “مناقشة تصوّر واشنطن لاستراتيجية ما بعد الحرب، بما يشمل احتواء إيران، وتوسيع الترتيبات الإقليمية”.

لقد دعا ترامب إلى هذا الاجتماع في نيويورك، والذي ضمّ ممثلي دول مجلس التعاون الخليجي وعدداً من الدول العربية والإسلامية، “لإعادة الوصل مع شركاء قلقين من التوجهات الأمنية في المنطقة، ورسم مسار الخيارات الأميركية في الحرب مع إيران، والموقف الجماعي من التطورات في اليمن”.

أدرك الرئيس الأميركي مقدار الفتور الذي شاب العلاقات نتيجة مواقفه التصادمية، إذ سبق له أن تساءل في آذار الماضي عن جدوى تحمّل بلاده عبء حماية مسارات الطاقة في الخليج؟ وأعطى الضوء الأخضر لوزارة الدفاع “البنتاغون” للبحث في “تقليص الانتشار العسكري في الكويت والسعودية ودول خليجية أخرى، ونقل أعباء الدفاع إلى الشركاء”!

وسُئل في 13 الشهر الجاري عن الاجتماع الخليجي – الإيراني في سلطنة عُمان، فقال إنه “لا يهمّه”، وإن “الأمر متروك للدول الخليجية”. في المقابل، نظر مسؤولون بارزون في إدارته بتحفّظ إلى “أي ترتيب ملاحي يمنح طهران صلاحيات أوسع، أو عائدات من الرسوم”.

وأُرجئ في 14 أيلول “اجتماع صلالة” بين إيران ودول الخليج والعراق، وكان مخصّصاً لبحث ترتيبات مضيق هرمز. وعزت مسقط التأجيل إلى “الحرص على التوافق”، فيما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التأجيل جاء بطلب سعودي.

وأعلن ترامب في 20 الجاري “أن واشنطن على تواصل دائم مع الحوثيين”، و”أنهم وافقوا على عدم اعتراض السفن الأميركية والإسرائيلية”، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”.

وأفادت “نيويورك تايمز” في 21 الجاري بأن ترامب ألغى في اللحظة الأخيرة غارات على الحوثيين، وكانت طائراته قد حُمّلت بالقنابل الثقيلة، وتمّ ذلك رغم طلب سابق من ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان لوقف تقدم الحوثيين قرب باب المندب. وفي اليوم نفسه، اتصل ترامب برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، من دون أن يتعهد بدعم عسكري مباشر.

هذه المحطات، وغيرها، باعدت المسافة ما بين واشنطن والرياض، وشاء ترامب في 22 الجاري، وخلال اجتماعه مباشرة مع القادة الخليجيين، أن “يصيب هدفين بطلقة واحدة”.

الأول: استباق لقائه مع الزعيم الصيني شي جين بينغ، بعدما أصبحت بكين تملك نفوذاً واسعاً في مضيق هرمز، وعلى علاقات متطورة مع دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن تؤدي إلى تحالف استراتيجي.

والثاني: شرح خطته للمرحلة التالية من الحرب مع إيران. وقال إنه أمام “قرار كبير”!

هل ضيّق الاجتماع المسافة التي تتسع وتتعمق بين واشنطن والرياض؟

المؤشرات لا توحي بذلك. والدليل الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء خارجية دول “اتفاق مكة” في نيويورك، مباشرة بعد انتهاء الاجتماع مع ترامب. ثم الاجتماع الطارئ لرؤساء أركان الدول الأطراف في “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، لبحث “الوضع الأمني، والتهديدات التي تواجه المملكة العربية السعودية”.

وكانت المملكة قد تمسكت بشروطها الثلاثة خلال الاجتماع مع ترامب: وقف إطلاق نار يشمل الوكلاء. حرية ملاحة من دون رسوم أو وصاية إيرانية. وإبقاء مظلة أميركية كافية للردع.

وتأتي هذه الشروط وتتزامن مع قلق سعودي من تسلسل الموقف الأميركي، انطلاقاً من رفض التدخل بناءً على طلب ملحّ من الرياض، وإعلان التفاهم مع الحوثيين، وإلغاء غارة جاهزة، والفصل بين أمن الولايات المتحدة وأمن حلفائها. ويعزّز هذا القلق الحديث الأميركي عن تقليص الوجود العسكري، إذ تعدّه دول مجلس التعاون إشارة في غير وقتها تصبّ في مصلحة إيران، وربما تؤشر فعلاً إلى البدء ببحث مصير الترتيبات الأمنية القائمة منذ العام 1991، إما لجهة استمرار معادلة الحماية والردع الأميركيين، وإما تراجعها إلى شراكات أضعف!

وما بين جموح أميركي ترامبي، وقلق خليجي، يتحسّس لبنان رأسه تحت مظلة الخيمة الأميركية – السعودية، خصوصاً بعدما أعلن رؤساء أركان دول “اتفاق مكة” المضي قدماً “في تعزيز التعاون بين القوات المسلحة للدول الثلاث، وتطوير التعاون الاستخباراتي، والتنسيق العسكري، وتكامل القدرات بما يسهم في تعزيز الردع والدفاع الجماعي”.

ويبقى السؤال: إذا خرجت الخيمة الأميركية – السعودية عن طورها، فأي سقف خارجي يبقى ليقي لبنان جنون الأعاصير المتألبة؟

شريط الأحداث