| خلود شحادة |
الساعة السادسة والربع مساءً..
أصوات انفجارات من كل حدب وصوب. أخبار تتداول أن الضاحية كلها تحت العدوان الإسرائيلي، بعد الجنوب. زحمة سير، دخان عابق في المكان، ونصف الناس يسأل: “وين؟”، فيما يجيب النصف الآخر: “حدنا”.
أعادني المشهد إلى انفجار مرفأ بيروت، حين ظنّ كل سكان بيروت أن دويّ الانفجار القريب منهم، فإذا به المرفأ. لكن هذه المرة، لم يكن الصوت انفجارًا واحدًا. كانت إسرائيل. إسرائيل التي تفجّر وتدمّر مرفأً، ومطارًا، وبيوتًا، وقرى، وجبالًا، وكأن كل ما في هذا البلد هدف محتمل.
لكن ما لم أكن أتوقعه، وأنا أسمع تلك الانفجارات واحدة تلو الأخرى، أن كل ذلك الدخان، وكل ذلك الركام، وكل ذلك الصوت الذي هزّ الضاحية، كان يُرمى على رجل واحد.
ثمانون طنًا من المتفجرات..
ثمانون طنًا..
على رجل واحد!
كأن كل هذا الحديد والنار لم يكن كافيًا لإسكات ما يمثّله، فكان لا بد من كل هذا الدمار، ظنوا أن صوت التفجيرات قد يخفت صوته، أن النضال يندثر بالموت.
الرجل الذي شارك في تحرير الـ2000، الرجل الذي قاد المقاومة في حرب 2006، الحرب التي بقيت هزيمتها في الذاكرة الإسرائيلية، وبقي انسحاب جيشها من جنوب لبنان حاضرًا في ذاكرة الجنوب. الرجل الذي صار اسمه، منذ ذلك الحين، جزءًا من تاريخ مواجهة طويلة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.
وبعدها، بدأ انتظار الخبر.
تضاربت المعلومات. تضاربت الأخبار، وتضاربت معها الأفكار. لعلّهم هذه المرة أخطأوا. لعلّهم لم يصلوا إليه. لعلّه نجا. لعلّ كل ما سمعناه لم يكن سوى دويٍّ هائل.
والـ«ليت» كانت فحوى كل حديث.
ليت الخبر لا يكون صحيحًا.
ليت الصوت لم يكن صوته.
ليت كل هذا الدخان لا يخفي وراءه تلك النهاية.
ثم جاء صباح 28 أيلول.. وجاء الخبر.
السيد حسن نصر الله شهيدًا.
بعد ليلة طويلة من الانتظار، صار ما لم نرد تصديقه حقيقةً معلنة. الرجل الذي ظلّ سنوات طويلة هدفًا لمحاولات الاغتيال، والذي عاش تحت تهديد دائم، انتهت حياته في ذلك المكان، تحت ذلك الركام، وبين كل تلك الأطنان من المتفجرات، وفي حضن الضاحية التي أحب.
السيد حسن شهيدًا.. على طريق القدس التي أحبّها، وظلّ يربط بها مسيرته وخطابه وقضيته، حتى انتهت حياته وهو يعلن الدفاع عنها وعن فلسطين وأهلها.
السيد حسن شهيدًا.. وهل من مقاوم، في نهاية الطريق، لا يتمنى أن تكون الشهادة خاتمة مسيرته؟
أن يموت وهو على الطريق الذي اختاره، لا أن يتركه؟
أن تكون النهاية، مهما كانت قاسية، امتدادًا لكل ما آمن به؟
وفي صباح 28 أيلول، كنا نبحث عن الكلمات، لأن بعض الأخبار لا تُقال بسهولة.
بعض الغياب لا يشبه الغياب، وبعض الأسماء، حين تصبح خبرًا، لا تعود كما كانت قبله.
السيد حسن نصر الله شهيدًا.. والضاحية التي أمضت ليلتها بين الدخان والركام، استيقظت على خبرٍ كان أثقل من كل الأصوات التي سبقتْه.


