الرئيسيةSliderهل نحن على شفير جولة جديدة من الحرب الواسعة؟

هل نحن على شفير جولة جديدة من الحرب الواسعة؟

| إبراهيم الأمين |

خلال الأسابيع الأخيرة، تعزّزت القناعة لدى أطراف ودول عربية وغربية في المعسكر الأميركي – الإسرائيلي بأن الجولة السابقة من الحرب على إيران انتهت إلى نتائج مخالِفة لكل الخطط والتوقّعات، وأن مذكّرة التفاهم هدفت فقط إلى وقف إطلاق النار، لإعادة تقييم ما جرى، وفحص أسباب التعثّر، ومراجعة الخطط، ودراسة نقاط القوة التي أظهرتها إيران وكيفية التعامل معها في أي جولة مقبلة.

وزاد في قلق هذه الجبهة العالمية، أن الحرب على “حزب الله” في لبنان لم تنته إلى استسلامه أو إنهاء قدرته على العمل كما كان مأمولاً، بينما يواجه المسار السياسي مع السلطة في بيروت تعقيدات كبيرة. كذلك فشلت خطة استئصال فصائل المقاومة في العراق، فيما جاءت المفاجأة الأبرز من اليمن، حيث تمكّنت حركة “أنصار الله” من الإمساك بخناق ثاني مضيق حيوي للاقتصاد العالمي.

بين 8 نيسان الماضي، تاريخ إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ومنتصف أيلول الجاري، تراكمت تطورات كثيرة، وشهدنا سجالات سياسية حول المسؤولية عن عدم تحقيق أهداف الحرب، ولا سيما عدم إسقاط النظام في إيران، وعدم إحداث تغيير حاسم في قدرات القوى الحليفة لها في العراق واليمن ولبنان. وشهدت العلاقة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو، تجاذباً انعكس على مواقف دول الخليج العربية، التي شعرت، للمرة الأولى، بأن مظلة الحماية الأميركية ليست فعّالة بالقدر المطلوب، وأن كلفة التحالف مع “إسرائيل” ستكون باهظة ما لم يتم تحييد النظام في إيران. وقد درس أكثر من طرف اعتماد سياسة النأي بالنفس، بحثاً عن قدر من الأمان، في ظل عدم يقين إزاء القدرة على شنّ حرب جديدة تطيح بالنظام في إيران.

لكنّ مسارعة دولة الإمارات إلى عقد “صفقة أولية” مع إيران، والحذر المصري – التركي – الباكستاني من المشروع الأميركي – الإسرائيلي، لم ينسحبا على الجانب السعودي، بل على العكس، ظلّت قيادة محمد بن سلمان تعمل وفق مبدأ “الاستعانة بكل شياطين الأرض” لكسر شوكة إيران وحلفائها. وهو مسار يشتمل على عمل عسكري وأمني واقتصادي وسياسي، وله ساحات كثيرة من الخليج نفسه، وفي سوريا والعراق ولبنان، وصولاً إلى فلسطين نفسها، علماً أن التركيز السعودي على ساحة اليمن لم يكن يتوقّع خسائر كالتي حصلت عندما انهارت أكبر قوة حليفة للسعودية، وتمكّن “أنصار الله” من السيطرة على كامل الساحل الغربي في اليمن، والإمساك بحرية الملاحة في جنوب البحر الأحمر ووضع اليد على باب المندب.

في لبنان، لم يكن بمقدور أحد وقف المسار الإسرائيلي في الاعتداءات. وفي كل مرة حاولت فيها سلطة جوزاف عون تحصيل أي دفعة على الحساب من الجانب الإسرائيلي، كان الوسيط الأميركي يربط ذلك بضرورة تنفيذ خطط نزع سلاح “حزب الله”، فيما كان يكرّر أن إدارة ترامب لا تستطيع الضغط على نتنياهو عشية استحقاق سياسي في “إسرائيل”.

وبمعزل عن الذرائع، كانت النتيجة إبعاد لبنان عن مسار التفاوض مع إيران، من دون أن يحقّق الجانب الأميركي، في المقابل، أي نتيجة تتيح له توسيع دائرة نفوذه في لبنان، فيما كان الشريك السعودي يسعى إلى منع انهيار الجبهة الحليفة له في لبنان، وهو يعمل دون توقّف لمنع حصول ذلك، وسط خشية متعاظمة لديه من أن “حزب الله” قد يلجأ إلى خطوات داخلية كبيرة تطيح بالحكم الحليف للرياض.

لكنّ العمل الأساسي كان يجري في مكان آخر.

فمما يرشح من مداولات جهات نافذة في المحور المعادي لأميركا و”إسرائيل”، أن الخلافات الظاهرة بين ترامب ونتنياهو ليست من النوع الذي يمكن بناء استراتيجية كاملة عليه. ومع مرور الوقت، بدا أن التعاون الأميركي – الإسرائيلي عاد إلى النشاط، وأن ترامب ونتنياهو عادا إلى الحديث عن ضرورة إسقاط النظام في إيران، وعمدا إلى إضافة أطراف جديدة إلى برنامج الحرب الجديدة، في مقدّمها السعودية. وبناءً عليه، تمّ إيكال مهمة التنسيق الميداني إلى القيادة الوسطى للجيش الأميركي، التي نظّمت الاجتماع العسكري السرّي في ألمانيا قبل نحو عشرة أيام، بمشاركة رئيس أركان جيش العدو إيال زامير ورؤساء أركان وقادة جيوش السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن ومصر. وقد ركّزت المباحثات المُغلقة على بحث المواجهة والتطورات العسكرية مع إيران، إلى جانب مناقشة التصعيد المستمر في اليمن.

هذا الاجتماع بدا ظاهرياً وكأنه مراجعة بين قوى تتقاطع مصالحها لدرس نتائج المواجهة السابقة، لكنّ المعطيات تشير إلى عكس ذلك، خصوصاً أن السعودية، على وجه التحديد، باتت تضغط لدفع الأميركيين و”إسرائيل” إلى القيام بعمل كبير لـ”الانتهاء من إيران مرة واحدة”. وهو خيار، له ترجمته على الأرض من خلال تحرّكات وأنشطة وتحضيرات، وهذا ما استدعى أمس بياناً من نوع مختلف صدر عن “مقر خاتم الأنبياء” في إيران، أشار إلى “معلومات تفيد بأن أميركا، ومن أجل التغطية على إخفاقاتها وتحقيق إنجازات زائفة، قرّرت مرة أخرى، بضوء أخضر من بعض دول المنطقة، استئناف إجراءات ضد إيران في اجتماع مشترك في إحدى الدول الأوروبية” في إشارة إلى اجتماع ألمانيا، قبل أن يوجّه المقر تحذيراً لافتاً، بأنه “إذا ارتكبت أميركا خطأً ضد إيران، فإن جميع مراكز تمركز ذلك البلد ومصالحه في المنطقة ستتعرّض، من دون أي قيود أو مراعاة، لهجمات مستمرة وفعّالة ومؤلمة. كما أن انحياز دول المنطقة، إلى جانب العدوان على إيران، يجعلها جميعها شركاء في هذا العمل، ولن يعود بإمكانها توقّع ضبط النفس من القوات الإيرانية”.

ووسط الكثير من التسريبات عن أن السعودية على وجه الخصوص، تعبّر عن ضيقها من عدم توفير واشنطن الحماية المطلوبة، ذهب البعض إلى الحديث عن أن ابن سلمان قد يفضّل الذهاب نحو تسوية سريعة مع إيران. لكنّ هذا التقدير ليس دقيقاً تماماً. ومن المفيد هنا التوقّف عند حديث أدلى به المسؤول السابق في “الموساد” عوديد عيلام، الذي شارك، في إعداد مقدّمة لسيرة ذاتية عن ابن سلمان، وصفها بأنها “قصيدة مديح تضع ابن سلمان درجة فوق تشرشل ونصف درجة تحت الله”. لكنّ عيلام قال إن “الواقع مختلف تماماً، وإن ابن سلمان فشل فشلاً مدوّياً، وبدأنا نسمع أصوات نشر إحدى قوائم كرسيّه”.

وفي المقابل، نقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” عن مسؤول سعودي لم تسمّه قوله: “نحن في حالة حرب مع إيران، رغم عدم إعلانها رسمياً”، متهماً طهران بالسعي إلى تقويض المملكة ونشر الفوضى في الخليج، ومضيفاً أن “إسقاط النظام في طهران مصلحة إقليمية وعالمية”. وقال المسؤول إن “إسرائيل” قادرة على المساعدة، مشيراً إلى أنها “أشعلت فتيل الحرب في إيران”، وإلى أنها، بحسب رأيه، “الوحيدة التي أثبتت فعاليتها في الحرب ضد أنصار الله”.

الفكرة هنا أن القيادة السعودية تُظهِر ميلاً يجب التنبه له جيداً، إلى إعادة فتح النقاش مع الجانبين الأميركي والإسرائيلي حول إيران. وهي مستعدّة لدفع ثمن إسقاط النظام في إيران والقضاء على “أنصار الله”. لكن ابن سلمان يحتاج إلى ضمانات بأن ذلك سيحصل. وهو يخشى، كبقية قادة المنطقة، من أن تفشل أي حملة جديدة ولو كانت أشد عنفاً ضد إيران، لأنه يعرف جيداً أن إيران لن تتساهل مع أي عمل جديد بهذا الحجم.

وما يزيد من الإغراءات لتورّط ابن سلمان في حرب كهذه، أنه فشل في الحصول على دعم عملي من جانب تركيا ومصر وباكستان لشنّ حملة ضد “أنصار الله”، ما جعله يعود إلى ما يجيد القيام به، لجهة استخدام “الدواعش” في حربه ضد اليمن، وكما فعل في العراق عندما نقلت الرياض 5000 انتحاري سعودي فجّروا أنفسهم بالمدنيين العراقيين، يبدو مستعداً الآن لعقد تحالف مع الشيطان مقابل كسر “أنصار الله”.

وبات معلوماً أن الحملة الجوية العنيفة التي شُنت قبل يومين ضد 12 مدينة سعودية، جاءت رداً على خطة كانت مُعدّة من قبل السعوديين، وقضت بتجهيز مجموعة من الانتحاريين المُزوّدين بدراجات نارية مُفخّخة، وأحزمة ناسفة، وإرسالهم لتفجير الحشود اليمنية في ميدان السبعين، حيث يتجمّع ملايين اليمنيين كل يوم جمعة لدعم “أنصار الله”. وبالنسبة إلى صنعاء، فإن لجوء ابن سلمان إلى هذا السلاح، هو الخطأ الذي لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف، وقد أرسلت “أنصار الله” إلى ابن سلمان رسائل واضحة بأن عليه أن يكون مستعداً لدفع أثمان أكبر بكثير جراء تورّطه في أمر كهذا.

عملياً، تعيش المنطقة على وقع توتّر كبير. ثمة استحقاقات سياسية كبيرة في “إسرائيل” وأميركا، لكن هناك ما هو أشدّ فتكاً، لجهة الآثار الاقتصادية على دول المنطقة جراء الحرب القائمة، مع إضافة منسوب أعلى من القلق لدى عواصم بارزة، تتقدّمها السعودية، من طبيعة المرحلة المقبلة. وكل ذلك يقود إلى استنتاج بديهي، هو أن دائرة الانفراجات مُقفلة من كل الجهات، واجتماع الغد بين ترامب وقادة وكبار مسؤولي دول الخليج، سيشكّل الأرضية التي تتيح توقّع انسحاب كامل من المعركة، أو الاستعداد لجولة عنف، ستكون هذه المرة بلا سقوف وبلا قواعد!

شريط الأحداث