| فاتن الحاج |
قبل أيام من انطلاق العام الدراسي، وجدت المدارس والثانويات الرسمية نفسها أمام مشكلة يفترض أن تكون قد حُسمت قبل فتح أبوابها: من هم الأساتذة الذين تحتاج إليهم، وكم ساعة تدريس تحتاج كل مدرسة؟ فقد قررت وزارة التربية تأجيل التحاق المتعاقدين على حساب صناديق المدارس والثانويات، والمستعان بهم، إلى حين الانتهاء من مسح الحاجات وتحديد الفائض. والنتيجة أن نحو 3500 أستاذ ينتظرون معرفة مصير ساعاتهم، فيما اضطرّت بعض المدارس إلى تقصير دوامها بسبب النقص في الأساتذة.
المسألة، كما تطرحها الوزارة، ليست قراراً بإنهاء التعاقد مع هؤلاء الأساتذة، بل إعادة احتساب الحاجة قبل تثبيت العقود الحالية أو إبرام عقود جديدة. فالأوضاع تغيّرت خلال الأشهر الماضية بفعل الحرب والنزوح، وتبدّلت معها خريطة توزيع التلامذة بين المدارس. بعض المدارس استقبل أعداداً إضافية، فيما خسرت مدارس أخرى جزءاً كبيراً من تلامذتها، ولا سيما تلك التي بقيت مقفلة أو اعتمدت التعليم من بعد.
وهذا ما يظهر بوضوح في الجنوب. فقد انتقل تلامذة من مدارس في قضاء النبطية إلى مدارس في قضاء الزهراني، فارتفعت أعداد التلامذة في مدارس مستقبلة. وفي إحدى مدارس الزهراني، مثلاً، ارتفع العدد من نحو 300 إلى 400 تلميذ، ما استدعى فتح شعب جديدة وتأمين ساعات وأساتذة إضافيين. في المقابل، خسرت مدارس أخرى أعداداً كبيرة من تلامذتها، وصلت في إحدى الحالات إلى نحو 65 في المئة، ما دفع إداراتها إلى خفض عدد المتعاقدين.
وتقول وزارة التربية إن هذه المتغيرات لم تسمح بتكوين صورة نهائية عن حاجات المدارس. وفي بيانها، تشير إلى أن تسجيل التلامذة لم يكتمل في بعض المناطق، وأن مدارس أخرى لم تستعد جهوزيتها بعدما استخدمت مراكز إيواء. لذلك، تقول الوزارة، بات من الضروري إجراء مسح ميداني لتحديد الحاجات والفائض قبل تثبيت العقود الحالية أو إبرام عقود جديدة.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بمبدأ إعادة دراسة الحاجة، بل بتوقيت العملية وطريقة إدارتها. فالمدرسة تملك في الأصل المعطيات الأساسية: عدد التلامذة المسجلين، عدد الشعب، الساعات المطلوبة، وعدد الأساتذة الموجودين. وهذه المعطيات يفترض أن تنتقل، عبر دوائر التربية والمناطق التربوية، إلى الإدارة المركزية قبل إعداد البرامج وتوزيع الساعات، لا بعد بدء العد العكسي للعام الدراسي.
بالنسبة إلى المتعاقدين، لا تعني الساعات مجرد حصص تدريسية. فهي بالنسبة إلى كثيرين مصدر دخل أساسي، في ظل غياب الاستقرار الوظيفي والراتب الشهري الثابت. ومن هنا، فإن انتظار قرار الوزارة لا يعني بالنسبة إليهم انتظار معرفة جدول التدريس فحسب، بل معرفة ما إذا كان جزء من دخلهم سيبقى متاحاً لهم هذا العام. وكان يمكن، بحسب المعترضين على القرار، التعامل مع المسألة بصورة أقل إرباكاً لو جرى إبلاغهم في وقت مبكر، بما يسمح لهم بترتيب أوضاعهم والبحث عن بدائل في حال خسروا ساعاتهم.
أما المستعان بهم، فتختلف قضيتهم قليلاً. فهؤلاء يعملون منذ سنوات من دون عقود، وينتظرون حسم وضعهم القانوني والانتقال إلى تعاقد مع الدولة وفق الأصول. إلا أن تجارب سابقة، تلقّى فيها بعضهم وعوداً بإبرام عقود لم تتحقق، جعلت أي إعادة تنظيم للملف مرتبطة لديهم بسؤال أوسع عن مستقبلهم المهني. ويضاف إلى ذلك أن جزءاً من نموذج “المستعان بهم” ارتبط في السنوات الماضية بتمويل الجهات المانحة.
وتقول الوزارة إن المشكلة التي تحاول معالجتها أوسع من تحديد عدد الأساتذة المطلوبين. فهناك تعدد في صيغ التعاقد، وأعباء مالية تتحملها صناديق المدارس، فيما يفترض أن تؤمّن الدولة الاعتمادات اللازمة. لذلك تريد الوزارة، وفق ما أعلنته، الانتقال إلى تعاقد يستند إلى الحاجة الفعلية وإلى تمويل قانوني، بدلاً من استمرار الصيغ المتعددة القائمة.
لكن الانتقال من صيغة إلى أخرى يترك أسئلة معلّقة لدى الأساتذة والمدارس. ويختصر رئيس حراك الأساتذة المتعاقدين في التعليم الثانوي الرسمي حمزة منصور هذه الأسئلة بـ”من سيبقى؟ وفق أي حاجة؟ بأي نوع من العقود؟ ومن أين سيأتي التمويل؟”، مضيفاً أن السؤال الأهم بالنسبة إلى الأستاذ هو: متى يعرف النتيجة؟
ويعترض منصور على اعتبار عدم اكتمال تسجيل التلامذة سبباً كافياً لتأخير تحديد الحاجات، معتبراً أنه كان يفترض بالوزارة استثمار أشهر الصيف في جمع المعطيات، ولا سيما في الجنوب. في المقابل، تؤكد الوزارة أن التسجيل لم يكتمل في عدد من المناطق رغم طلبها من الأهالي التسجيل منذ تموز، وأن أوضاع بعض المدارس التي كانت مراكز إيواء حالت دون تكوين صورة نهائية عن أعداد التلامذة.
المشكلة، إذاً، ليست في أن تتغير أعداد التلامذة فتتغير معها الحاجة إلى الأساتذة. فهذا أمر طبيعي، وخصوصاً بعد الحرب والنزوح. المشكلة في أن تصل عملية إعادة الاحتساب إلى الأيام الأخيرة قبل بدء التدريس، بعدما تكون المدارس قد أعدّت برامجها، ويكون الأساتذة قد بنوا حساباتهم المعيشية على الساعات التي كانوا يتقاضونها.
وفي النهاية، لا يختبر نجاح مسح الحاجات بعدد العقود التي ستُثبت أو تُلغى، بل بقدرته على وضع آلية أكثر انتظاماً للسنوات المقبلة: تسجيل يُستكمل في موعده، ومعطيات تُجمع قبل إعداد البرامج، وحاجات تُرفع عبر التسلسل الإداري، واعتمادات تؤمّن مسبقاً، وقرار يصل إلى المدرسة والأستاذ في وقت يسمح لكل منهما بالاستعداد لعامه الدراسي والمهني.



