| خلود شحادة |
عصر الـ17 من أيلول غصت الشوارع بأصوات التفجيرات، وسالت الدماء من كل الأزقة، وتصاعدت أعمدة الدخان من المنازل، وتناثرت العيون والأكف والأشلاء حيثما كان.
ربما كتابة هذه التعابير فظّة، وثقيلة في مقال صحفي، إلا أنها لا تبيّن أكثر من 10% من حقيقة ما حصل يومها، وكل ذلك لم يستدعِ أي استنفار لبناني رسمي في المحافل الدولية، رغم أنها شكّلت جريمة حرب حقيقية، في أيام السلم.
أكثر من 4 آلاف إصابة، وعشرات الشهداء بينهم أطفال ونساء، عيون أطفئت، أكفٌّ قُطّعت، أقدام بُترت، أرواح فاضت.. وكل ذلك في أقل من دقيقة، وفي كل لبنان.
غصت المستشفيات بالجرحى والشهداء، تناثرت أشلاؤهم في الممرات والغرف، غرف العمليات انشغلت بنسبة 100% طوال أيام، وكيف إذا كان بين الجرحى والمصابين، فرق طبية أصلا!
الـ”بيجر” الذي ليس حكراً على عناصر المقاومة في “حزب الله”، بل يستخدمه المسعفون، الأطباء، والعاملون في المراكز الصحية، والمرافق الكبرى التي تستدعي تواصلاً بين الموظفين والعاملين، بـ”كبسة زر”، قرر العدو الإسرائيلي تفجير الأجهزة، عن سابق إصرار وترصد وتتبّع وتخطيط.
عمل “إرهابي” بكل ما للكلمة للمعنى. مشهد أعاد ذاكرة اللبنانيين إلى التفجيرات التي ارتكبتها التنظيمات التي تصنّفها الولايات المتحدة الأميركية على لائحة الإرهاب، ليتبيّن أن منبع الإرهاب الحقيقي، وأصل التخطيط هو “إسرائيل”، من “الطفل المدلل” للولايات المتحدة.
لهؤلاء المصابين حكايات وأسماء، عائلات تحمل معهم ثقل العمى، وأياد تمتد لتصافح أكفهم المقطوعة علّها تحمل معهم معاناتهم، ولكن يبقى هناك بعض القصص التي تخرج للضوء أكثر من غيرها.
بعض المصابين، لم تثنِهم إصابتهم ما خلّفت من إعاقات بالحركة أو النظر، عن استكمال دورهم القتالي ضد العدو الإسرائيلي، فكانت يدهم على الزناد بأصابع مبتورة.. كانوا مقاتلين.. جرحى.. ومن ثم شهداء.
ومن هؤلاء، الجميلة فاطمة، طفلة لم يتخطَّ عمرها الست سنوات، كانت تلهو في الغرفة حين رن جرس الـ”بيجر”، اقتربت منه، فانفجر الحقد الصهيوني بوجهها، مما أدى إلى تشوه في وجهها، وخسارتها لعينها.
سلسلة عمليات خضعت لها فاطمة، آخرها كان منذ شهرين، حيث تم تركيب عين زجاجية لها، رغم أنها لم تُعد لفاطمة البصر، إلا أنها لم تعطِ فرحتها لأحد قائلة: “المهم رجع صار عندي عين”.
وعن حسن، أصغر جرحى “البيجر”، والذي لم يتم الستة أشهر من عمره، اليوم بات على أبواب الدخول إلى عامه الدراسي الأول، ولكن بعين واحدة!
ولعلّ أكثر ما يكشف فظاعة المشهد ليس فقط ما حدث في عملية تفجير أجهزة “البيجر”، بل الطريقة التي جرى بها الاحتفال بها لاحقاً. فحين يتحوّل سلاحٌ أُخفي داخل أجهزة مدنية إلى “إنجاز” يُحتفى به، وحين يختار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يهدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب “بيجراً ذهبياً” في إشارة مباشرة إلى تلك العملية، تصبح المسألة أبعد من مجرد استعراض للقوة الاستخباراتية والتكنولوجية.
نحن أمام تطبيع أممي لفعلٍ دموي وتحويله إلى رمزٍ للنصر، بصمت عالمي مطبق!
الأكثر إدانة، أن المشهد لم يتوقف عند الهدية. ترامب تلقّى “البيجر” الذهبي بالقول إن “تلك كانت عملية عظيمة”، وكأن الدم الذي سال والعيون التي فُقدت والبتر والإصابات التي غيّرت حياة آلاف الأشخاص، يمكن اختصارها في عبارة احتفالية لدى أكثر الدول ديمقراطية.
المشكلة في تحويل الألم الإنساني إلى “كأسٍ تذكارية”. وأيّ معنى يبقى للحديث عن القانون الدولي وحرمة المدنيين، إذا كان قتلهم وإصابتهم يمكن أن يتحولا، بعد أشهر، إلى هدية مذهّبة وصورة تذكارية؟!


