الرئيسيةSlider"إعدام" العام الدراسي: "تعليق" عمل 3500 أستاذ!

“إعدام” العام الدراسي: “تعليق” عمل 3500 أستاذ!

| خلود شحادة |

على أبواب العام الدراسي الجديد، اتخذت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي قرار يكفي بـ”اعدام” العام الدراسي في المدارس الرسمية.
فبعد عام دراسي أنهكته الحرب والتعليم عن بعد، أطلقت كرامي “رصاصة رحمة” على التعليم الرسمي، بقرار عدم السماح للأساتذة المستعان بهم والأساتذة العاملين على حساب الصناديق، بالالتحاق بالمدارس قبل صدور الموافقات على عقودهم.

وبحسب رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، يشمل القرار نحو 3500 أستاذ، بينهم قرابة 1500 أستاذ مستعان بهم للتدريس قبل الظهر ونحو 2000 أستاذ يعملون على حساب صناديق المدارس. وتقول الرابطة إن التعميم وصل إلى المدارس قبل يومين فقط من بدء العام الدراسي، ما يطرح سؤالاً أساسياً حول كيفية تأمين الحصص والدوام الطبيعي في مدارس تعتمد أصلاً بصورة واسعة على الأساتذة المتعاقدين.

الأزمة تبدأ بعدد الأساتذة الذين سيغيبون عن الصفوف، لأن غياب نحو 3500 أستاذ في بداية السنة يعني عملياً تعطيل جزء أساسي من القدرة التدريسية المتوافرة في المدارس الرسمية، ولا سيما أن هؤلاء ليسوا قوة “إضافة” أو “احتياط”، بل يؤدون حصصاً فعلية ويشغلون ساعات تدريس تحتاجها المدارس.
وتزداد حساسية الملف لأن الأساتذة المعنيين كانوا، وفق الرابطة، يلتحقون في السنوات السابقة بمدارسهم، على أن تُستكمل الموافقات على عقودهم لاحقاً خلال السنة الدراسية. أما اعتماد آلية مختلفة في اللحظة الأخيرة، من دون أن تكون المدارس قد حصلت على بدائل واضحة لتغطية النقص، فيفتح الباب أمام مشكلة تتجاوز مسألة العقود إلى انتظام السنة الدراسية نفسها.

قرار اعتباطي!
يمثل القرار غير المدروس “مذبحة” دراسية لهذا العام، مع الضغط الكبير التي تعاني منه المدارس الرسمية، خصوصاً في ظل حالة النزوح التي يعاني منها المواطنون مما يؤدي إلى ضغط إضافي على المدارس الرسمية، وهذا ما ينتج أخطاراً عدة.
الخطر الأول يتمثل في وجود صفوف قد تبدأ عامها الدراسي من دون مدرسين مكتملين، وهذا يعني الإضطرار إلى تقليص عدد الحصص، وبالتالي منهاج غير مكتمل.
الخطر الثاني، يتمثل بضغط إضافي يُفرض على الأساتذة الموجودين عبر إعادة توزيع النصاب عليهم.
الخطر الثالث، يتمثل بدمج بعض الصفوف، مما يعني ارتفاع عدد الطلاب في الصف الواحد، أي حوالي 30 طالب في الصف.

كل هذه الأخطار، تعني انخفاض جودة التلقي للمادة التعليمية، وجودة العام الدراسي بشكل عام.
وهذا يضع إدارات المدارس أمام معادلة صعبة، فمن جهة هناك التزام ببدء العام الدراسي في موعده، ومن جهة أخرى نقص محتمل في الكادر التعليمي.
وكانت وزارة التربية قد أكدت في تموز اعتماد دوام التدريس أربعة أيام أسبوعياً مع الإبقاء على النصاب التعليمي المعتمد في العام السابق، على أن تُعلن آلية انطلاق التدريس في منتصف أيلول.
وفي حال استمر حجب الأساتذة المشمولين بالقرار، فإن الحفاظ على النصاب نفسه يصبح أكثر صعوبة، خصوصاً في المدارس التي تعتمد بشكل كبير على المتعاقدين.

ملف المتعاقدين ليس جديداً على التعليم الرسمي، بل يأتي في سياق سنوات من الاعتماد المتزايد على التعاقد، بالتوازي مع أزمات التمويل والمستحقات وآليات الدفع.
وكانت وزارة التربية قد أعلنت في أيار الماضي أنها حصلت على تمويل لتغطية مستحقات عدد من المتعاقدين والعاملين في المدارس الرسمية، بعد قرار حكومي استثنائي يتعلق بمستحقات العقود خلال فترة الإقفال القسري، ما يعكس حجم التعقيدات المالية والإدارية المحيطة بهذا القطاع.
كما أعلنت الوزارة في نهاية العام الماضي تأمين تمويل لصناديق المدارس الرسمية، في محاولة لمعالجة جزء من أزمتها المالية.

وبالتالي، فإن أزمة العقود الحالية تأتي فوق بنية مدرسية تعاني أصلاً من هشاشة مالية وإدارية، ما يجعل أي تأخير في تأمين الكادر التعليمي أكثر خطورة.

وفي ظل هذه الفوضى، الطلاب هم الحلقة التي ستدفع الثمن الأكبر إذا لم يُحسم الملف سريعاً. فالانتقال من مدرسة إلى أخرى، أو تغيير المعلمين بعد أسابيع من بداية السنة، أو البدء بحصص ناقصة، كلها عوامل تؤثر في استقرار العملية التعليمية، خصوصاً لدى تلامذة الصفوف الأولى الذين يحتاجون إلى انتظام أكبر في الحضور والتدريس.
كما أن أي تأخير في البرنامج التعليمي قد يخلق ضغطاً لاحقاً على المدارس لتعويض الساعات الضائعة، وهو ما قد يؤدي إلى تكثيف الدروس أو اختصار بعض الوحدات أو زيادة الضغط على التلامذة والمعلمين في مراحل لاحقة من السنة.

وهنا تكتسب انتقادات الرابطة لعدد من القرارات التربوية الأخرى، ومنها الإفادات والترفيع الآلي في بعض المراحل، بعداً أوسع، إذ تطرح مجتمعة سؤالاً حول قدرة النظام الرسمي على الحفاظ على معايير تعليمية مستقرة في ظل الأزمات المتلاحقة.

السؤال الذي تطرحه الرابطة حول “من سيستقبل الطلاب؟” ليس تفصيلاً نقابياً. فإذا كانت الوزارة تطلب من المدارس بدء العام في موعده، وفي الوقت نفسه تمنع آلاف الأساتذة من الالتحاق قبل تثبيت عقودهم، يصبح مطلوباً منها أن تحدد بوضوح كيف ستؤمّن التغطية التعليمية في المدارس التي ستتأثر بالقرار.
فإما أن تكون هناك خطة بديلة لتوزيع الساعات وتأمين المدرسين، وإما أن يتحول بدء العام الدراسي إلى موعد إداري لا يعكس واقع الصفوف.
وتزداد المسؤولية على الوزارة هنا لأن وزارة التربية نفسها كانت قد تحدثت في وقت سابق عن ضرورة التحضير للعام الدراسي المقبل، كما شددت على دعم المدارس الرسمية وتأمين احتياجاتها، لا سيما في المناطق التي تواجه ظروفاً صعبة.

السيناريوهات المطروحة
إذا حُسمت الموافقات على العقود سريعاً، قد تبقى الأزمة محصورة في ارتباك الأيام الأولى، ويمكن للمدارس تعويض جزء من النقص من دون تأثير كبير على السنة الدراسية.
أما إذا طال انتظار الموافقات، فالمشكلة قد تتطور إلى أزمة تشغيلية داخل المدارس، والأخطر أن يتحول الملف إلى مواجهة جديدة بين الوزارة والأساتذة، في وقت تحتاج فيه المدارس الرسمية إلى أكبر قدر ممكن من الاستقرار بعد سنوات من الأزمات المتراكمة.
في المحصلة، لا تكمن خطورة قرار الـ3500 أستاذ في الرقم وحده، بل في توقيت القرار وطبيعة الوظائف التي يشغلها المعنيون به واعتماد المدارس الرسمية عليهم لتأمين ساعات التدريس.

شريط الأحداث