الرئيسيةSliderجلسة المناقشة العامة: "فشة خلق" تحت المظلة السعودية.. أم استهداف سلام؟

جلسة المناقشة العامة: “فشة خلق” تحت المظلة السعودية.. أم استهداف سلام؟

| خضر طالب |

تثير جلسة المناقشة العامة للحكومة، التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري والمقررة يومي الثلاثاء والأربعاء، الكثير من الأسئلة حول خلفياتها وتوقيتها.. وكذلك المسار الذي ستسلكه ثم ما ستنتهي إليه، في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية.

كما أن هذه الجلسة تفتح “شهيّة” النواب “المكبوتة”، ليشكّل مجلس النواب، منبراً للدعاية الانتخابية التي ينتظرها النواب دائماً، ثم العودة إلى جمهورهم لسماع عبارات الثناء والتقدير والمديح التي تشكّل للنواب راحة نفسية يتوقون إليها.

هذه الجلسة، الأولى من نوعها منذ سنوات، لا تبدو أجواؤها مريحة على الإطلاق، إذ تنذر الانقسامات الحادة والافتراق العميق بين القوى السياسية بمجريات عاصفة، فوق متاريس سياسية متقابلة، خصوصاً في ظل النقاش المفتوح على مصراعيه بين فريق التفاوض المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي، وبين فريق المقاومة وحلفاء “حزب الله”.

سبقت الدعوة محاولات حثيثة من أطراف سياسية متعددة ـ بعضها مؤيد للحكومة ـ لصرف النظر عن الانعقاد في هذا التوقيت الحرج. وتخوفت تلك الأطراف من تحول الجلسة إلى “بازار” للمزايدات التي قد تخرج عن السيطرة، ملقية بثقلها وتداعياتها السلبية على الاستقرار العام.

وليس تفصيلاً أن الدعوة جاءت بعد مطالبات نيابية متكررة، وبالتزامن مع تصاعد التحركات المطلبية في الشارع، ولا سيما تحرك العسكريين المتقاعدين وقطع الطرق، إضافة إلى الإضرابات في القطاع العام، بالتزامن مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، وهو ما يجعل أي مواجهة سياسية داخلية أكثر قابلية للانزلاق إلى اشتباك يتجاوز حدود مساءلة الحكومة.

لكن خلف عنوان مناقشة الحكومة، تبدو هناك مسألة أكثر عمقاً: هل ما زال هناك توافق سياسي على استمرار حكومة نواف سلام، أم أن مرحلة البحث عن بديل بدأت فعلاً؟

وعلى الرغم من وجود همس متزايد ورغبة لدى تقاطعات سياسية واسعة في تغيير الحكومة، إلا أن الحسابات الداخلية تكشف عن تشابك معقد في الخيارات، فالقوى التي يمكن أن تدفع في اتجاه تغيير الحكومة ليست متفقة على البديل. ثمة من يفضّل نجيب ميقاتي، وفي مقدمهم قوى على خلاف مع سلام، في حين أن قوى أخرى تعارض سلام لكنها لا تريد ميقاتي، بل ترى أن بقاء الحكومة أقل كلفة من استبدالها في هذه المرحلة.

• تتلاقى رغبة رئيس الجمهورية جوزاف عون مع رئيس المجلس نبيه بري في عدم الممانعة بالإطاحة بالرئيس نواف سلام، مع ترجيح كفة التعاون مع الرئيس السابق نجيب ميقاتي.

• “حزب الله” لا يخفي الخلاف العميق مع سلام، ويفضل عودة ميقاتي إلى السراي الكبير.

• “القوات اللبنانية” تعيش حالة انزعاج من أداء رئيسي الجمهورية والحكومة معا؛ ورغم أنها لا تبدو رافضة مبدئياً لتكليف ميقاتي، إلا أن هامش حركتها يبقى مرتبطاً بالسقف السعودي.

• “التيار الوطني الحر” يمارس معارضة صريحة للحكومة، لكنه يخالف خصومه في البديل؛ إذ يفضل بقاء نواف سلام على حساب عودة ميقاتي التي يرفضها مطلقاً.

• ينقسم العديد من النواب المستقلين والتكتلات النيابية بين مؤيد ومعارض، مع تفضيل فئة واسعة منهم الإبقاء على سلام تفادياً لدخول البلاد في فراغ حكومي طويل.

هنا تكمن المفارقة الأساسية: ثمة تقاطع واسع على انتقاد الحكومة، وربما على الرغبة في تغيير رئيسها، لكن لا يوجد تقاطع مماثل على البديل. فميقاتي يملك من يفضّله، لكن هناك أيضاً من يرفض عودته، فيما يبقى نواف سلام، رغم كل ما يواجهه، محمياً بمظلة إقليمية لا تبدو مستعدة حتى الآن لرفع الغطاء عنه.

وهنا تصبح السعودية العامل الأكثر تأثيراً في المعادلة. فالمعطيات المتداولة لا تشير حتى الآن إلى تبدل في الموقف السعودي من نواف سلام، ولا تبدو الرياض متحمسة لعودة نجيب ميقاتي إلى السراي. ولذلك فإن إسقاط الحكومة، حتى لو توافرت له رغبات سياسية داخلية، لا يبدو متاحاً ما لم تتغير المظلة الإقليمية التي تحميها.

ومن هذه الزاوية، قد تكون جلسة المناقشة أقل ارتباطاً بإسقاط الحكومة وأكثر ارتباطاً بإضعافها.

فإذا تحولت الجلسة إلى سيل من الانتقادات، فمن المرجح أن يتعرض سلام وحكومته لهجوم من مواقع سياسية مختلفة، بعضها يريد فعلاً تغيير الحكومة، وبعضها يستخدم الجلسة لتحسين شروطه السياسية، وبعضها الآخر يريد تسجيل مواقف شعبوية عشية الاستحقاقات الانتخابية.

والأخطر أن النقاش قد لا يبقى محصوراً بأداء الحكومة، بل قد ينتقل إلى الملفات السيادية وسلاح “حزب الله”، وهو ما حذرت منه قراءات سياسية عدة رأت أن الجلسة قد تتحول من مساءلة الحكومة إلى مساءلة الحزب، بما يرفع منسوب الاحتقان ويضع بري أمام مهمة ضبط إيقاع المواجهة داخل المجلس.

لذلك، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً ليست سقوط الحكومة، بل خروجها من الجلسة أكثر ضعفاً. وقد تكون هذه هي الوظيفة السياسية الفعلية للجلسة: تنفيس الاحتقان، وإتاحة المجال أمام النواب والقوى السياسية لرفع الصوت، وفي الوقت نفسه إطلاق سهام قاسية على الحكومة من دون امتلاك الظروف اللازمة لإسقاطها.

لكن إضعاف الحكومة ليس بالضرورة نهاية المسار. فقد يكون تمهيداً له. فإذا تبدلت المعطيات المحلية أو الإقليمية، أو أصبحت الحكومة عبئاً على بعض مكوناتها السياسية، أو تبدلت حسابات مظلة الحماية السعودية، عندها يمكن أن تتحول سهام جلسة المناقشة من مجرد “فشة خلق” إلى مقدمة لمسار سياسي ينتهي بتغيير الحكومة.

وبمعنى آخر، قد لا تكون جلسة مناقشة الحكومة هي جلسة إسقاط نواف سلام، لكنها قد تكون قد تطلق العدّ التنازلي لإضعاف حكومته. قد تكون جلسة وضع حكومته على مسار مختلف: من حكومة محمية سياسياً وإقليمياً، إلى حكومة تتعرض للاهتزاز والإنهاك بانتظار اللحظة التي يصبح فيها تغييرها ممكناً. وقد تكشف، في الوقت نفسه، حجم القوى الساعية إلى إضعافها، وحدود القوى القادرة على حمايتها. أما إسقاطها، فيبقى رهناً بتبدّل المظلة قبل تبدّل الحكومة.

شريط الأحداث