| ندى أيوب |
يجد رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع نفسه أمام معادلة غير مريحة له، فرهانه على “سوريا الجديدة” ليس في مكانه أو زمانه بعد. ودمشق ليست مستعدة لأن تكون أداة في مواجهة “حزب الله”، فيما تسعى إدارة الرئيس أحمد الشرع إلى إدارة العلاقة مع الحزب وفق حساباتها الخاصة. والأكثر إزعاجاً لجعجع أن هذه المقاربة تجد في تركيا لاعباً إقليمياً يسهم في فتح قنوات الحوار بين دمشق والحزب. علماً أن جعجع كان صرح علناً بأنه يريد مساعدة الشرع في القضاء على النفوذ الإيراني في لبنان.
التباين بين جعجع وإدارة الشرع في مسألة “حزب الله” يتركز حول فكرة الحوار مع الحزب: هل بدأ، أو سيبدأ ومتى، وتحت أي شروط؟ ذلك أن جوهر موقف جعجع هو أنه لا ينبغي لأحد أن يتحاور مع الحزب قبل تجريده من سلاحه. لكن دمشق، لديها حسابات من نوع مختلف. وهناك أيضاً الدور التركي المتعلق بهذا الملف، ويقول زوار أنقرة إنها تدفع دمشق، إلى الانطلاق من قاعدة مختلفة، مفادها أن الحوار مع الحزب يمثل إحدى الأدوات التي تحول دون انفجار مذهبي على الحدود بين لبنان وسوريا.
وبحسب المعلومات، فإن الوساطة التركية بين دمشق و”حزب الله” بدأت تأخذ شكلاً أكثر وضوحاً خلال الأشهر الماضية، وكان لوزير الخارجية التركي حقان فيدان دور فيها. وتفيد أيضاً بأن “الدور التركي أسهم في نقل رسائل وفتح قنوات كانت مقفلة بين الجانبين”، إضافة إلى “لقاءات حصلت بين ممثلين عن الحزب ووسطاء من منظمات دولية تعمل في مجال الوساطة في أكثر من ملف، من بينها ملف حزب الله”.
وبحسب متابعين، فإن ما يجري بوساطة تركية، هو ما يثير حفيظة جعجع، الذي يخشى فعلياً، من بروز مقاربة مختلفة لملف “حزب الله” من قبل سوريا. وهو يظهر انزعاجاً واضحاً من فكرة التفاوض والتعامل مع الحزب بوصفه لا يزال جزءاً أساسياً من المعادلة السياسية والأمنية اللبنانية، بدلاً من اختزاله في مشكلة سلاح ينبغي حلّها، ولو بالقوة.
ولعلّ ذلك يفسّر كلام النائب عن “القوات اللبنانية” ملحم رياشي خلال لقائه القائم بأعمال السفارة السورية في بيروت إياد الهزاع، أواخر حزيران الفائت، حين اعتبر أن “الحوار السوري مع حزب الله، إذا كان لا بد منه، ينبغي ألّا يسبق نزع سلاح الحزب، لأن حصوله في هذه المرحلة من شأنه أن يقوّي وضع الحزب، ويمنحه موقعاً تفاوضياً أكبر، فيما المطلوب التعامل مع الحزب من موقع الطرف الذي يُطلب منه تقديم تنازلات”. وهو الموقف نفسه الذي أبلغه جعجع إلى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارة الأخير إلى بيروت، وينقل عنه أنه لا توجد اتصالات حتى الآن بين دمشق و”حزب الله”.
ولجعجع حساباته التي تجعله مندفعاً نحو مواصلة الحملة الإقليمية والدولية لكسر “حزب الله” أمنياً وعسكرياً وسياسياً. وهذا ما يجعله “يراقب ما يحصل باستياء”، خصوصاً حيال الدور التركي المؤثر في إدارة الشرع، ومحاولات تركيا توسيع نفوذها في لبنان. وتزداد حساسية جعجع تجاه هذا الدور، كون أنقرة تتخذ مواقف ذات بعد صدامي تجاه “إسرائيل”، ولا تتعامل مع “حزب الله” من المنظور نفسه الذي تتبناه غالبية العواصم العربية والغربية.
في المقابل، قالت مصادر مطلعة إن مواقف جعجع خلال احتفالية “شهداء المقاومة اللبنانية” أثارت انزعاجاً لدى مسؤولين في الخارجية السورية، ولا سيما بعدما تحدّث عن احتمال حصول دخول سوري إلى لبنان، وعن استعداد “القوات” للدفاع عن الأراضي اللبنانية إذا اقتضى الأمر.
المفارقة، بحسب ما تنقل المصادر عن الجانب السوري، أن “جعجع، الذي يرفع عنوان السيادة في مواجهة أي تدخّل خارجي، يضع احتمال التدخل السوري في مرتبة مختلفة تماماً عن الاحتلال الإسرائيلي الآخذ بالتوسع في أجزاء من الأراضي اللبنانية”. ومن هنا، يطرح الجانب السوري سؤالاً: “إذا كانت السيادة هي المعيار، فلماذا لا تكون الأولوية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي الموجود فعلياً على الأرض اللبنانية، بدلاً من استنفار خطاب المواجهة في وجه احتمال تدخل سوري غير مطروح رسمياً”.



