ما بين “إنهاء حالة العداء” وبين “السلام” مع كيان الاحتلال الإسرائيلي مسافة فاصلة كبيرة، سياسياً، وليس سهلاً الانتقال بينهما “بسرعة ضوئية”.
قبل يومين، بدا رئيس الجمهورية جوزاف عون أنه يوجّه رسالة إلى الداخل والخارج بكلام يفسّر معادلته التي أطلقها منذ طرحه المفاوضات مع العدو الإسرائيلي، والتي تنصّ على إنهاء “حالة العداء”، والتي تم تفسيرها بأنها تعني إقامة سلام وتطبيع مع العدو الإسرائيلي. التفسير الجديد أن هذه المعادلة “لا تعني أكثر من وقف الحروب”، وليس السلام والتطبيع.
في الداخل، كان وقع هذا الكلام مفاجئاً، بالتزامن مع حراك سياسي ـ شعبي بمواجهة الحكومة. البعض رأى في هذا التوضيح الرئاسي أنه “خطوة إلى الوراء”، ربما بسبب معطيات لدى عون بمتغيرات آتية، أو لشعوره بأن الانتخابات في كيان الاحتلال الإسرائيلي ليست في صالح بنيامين نتنياهو، والانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية ليست في صالح الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، فسارع إلى وضع قدم خارج المسار الذي سلكه في المفاوضات المباشرة.
في الخارج، التقط الأميركيون والإسرائيليون رسالة عون. أدرك الطرفان أن عون يعبّر عن انزعاجه الشديد من عدم تقديم أي مساعدة له، بل على العكس، الاستمرار بإحراجه بعدم تنفيذ “اتفاق الإطار” الذي تعرّض بسببه لحملة سياسية في لبنان. حتى المفاوضات التي يغامر بالسير فيها، يدير الأميركيون ظهرهم لها، ويمتنع الإسرائيليون عن استئنافها.
سريعاً، بدأت خطوات تخفيف انزعاج عون، فتم تحديد موعد استئناف مفاوضات روما، على الرغم من الانطباع بأنها ستكون بلا نتيجة. وبالتزامن، بادر الرئيس إسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى اقتراح عقد لقاء ثلاثي يجمعه مع الرئيسين اللبناني والقبرصي.
“الحلم” الذي تحدّث عنه الرئيس الإسرائيلي بالاجتماع الثلاثي، مرشّح لأن يكون رباعياً لاحقاً بانضمام الرئيس اليوناني. وهو ما يعني بالتالي اكتمال عقد “تحالف غاز شرق المتوسّط” الذي يواجه التحالف التركي ـ السوري، بينما تقف مصر مرتبكة بين العلاقة العميقة مع العدو الإسرائيلي، وبين الخطوات الأخيرة لتوطيد علاقتها مع تركيا. وهو الارتباك نفسه الذي دفع مصر لعدم الانضمام إلى “اتفاق مكة” الذي يضم السعودية وباكستان وتركيا.
ويبدو أن الرئيس عون، الذي كان خطا خطوات في اتجاه التحالف اليوناني ـ الإسرائيلي ـ القبرصي، يعيد حساباته، خصوصاً بعد وصول إشارات واضحة بانزعاج تركي بسبب تقارب عون من هذا التحالف.
وعلى الرغم من أن السفير الأميركي السابق في لبنان دايفيد هيل، كشف أنه فهم من رئيس الجمهورية جوزاف عون رغبته بـ“المضي قدماً وبسرعة أكبر نحو السلام وإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل”، إلا أنه لم يصدر من القصر الجمهوري أي توضيح لهذا الفهم، وهو ما فسّره منتقدو عون بأنه يتحدّث بلغات مختلفة، ويعطي في مجالسه كل طرف ما يريده!
قد لا يصحّ تحميل رئيس الجمهورية تفسيرات دايفيد هيل، لكن، كان يفترض صدور توضيح رئاسي لتفسير هذا “التفسير”، حتى لا تنزلق التفسيرات إلى أحكام سياسية.


