في بلد يتآكل سوقه بفعل التضخم الاقتصادي، ويحكمه غياب التنافسية مما يشرع للتاجر استغلال المواطنين، وتديره دولة من رأس الهرم، لا يصلها أصوات الناس المسحوقة، قرر المعنيون إغلاق أخر متنفس للمواطن اللبناني، كان ما زال بإمكانه الحصول عليه بـ”سهولة”، عبر قرارات جشعة، ليس معروفاً بعد من المسؤول عنها، في ظل لعبة تقاذف التهم.
“لعبة” باتت محفوظة، عند كل قرار معروف بأنه سيستفز الشارع، يدركون جيداً سيكولوجية هذا الشارع، الذي يقبل الذبح “عالبطيئ”، وبالتالي، تبدأ أي كارثة ستحققها الدولة ببعض الشائعات، ومن ثم تقاذف التهم، نفي القرار، وبعدها.. إقراره.
سيناريو ينطبق اليوم بشكل كامل على ملف الاتصالات، حيث برزت مسألة التوجه إلى وقف تشريج الأيام والدولارات وتحويل الرصيد بين المشتركين على خطوط “ألفا” و”تاتش”.
ما القصة؟
وفق المعطيات المتداولة، فإن المسألة لا تتعلق بإلغاء التشريج بمعناه الكامل، بل بإنهاء آلية كانت تتيح للمشترك شراء كمية محددة من الأيام أو الرصيد بحسب حاجته، فيما لا يزال الموضوع مرتبطاً بقرار تنظيمي من وزارة الاتصالات وتطبيقه عبر الشركتين.
أي أن المشترك، بات مفروضاً عليه شراء بطاقة التشريج كاملة، شاملة المدة والرصيد من الدولارات، ولا يعود هناك إمكانية لا لتحويل الدولارات بين المشتركين ولا الاكتفاء برصيد “الأيام”.
ثم ماذا؟
قرار كهذا يفرض على المواطن شراء البطاقة كاملة، بأسعار مرتفعة جداً، وهي تلامس الـ 15$ كحد أدنى.
وبحسبة بسيطة، إذا كانت العائلة مؤلفة من أب، أم، وولدين، أي 4 أشخاص، بفإن كلفة الاشتراك “بحد أدنى”، تصل إلى 60 دولاراً، أضف إليها كلفة اشتراك الانترنت المنزلي “واي فاي” بحدود 40$ دولار، مما يقتطع من راتب المواطن 100$ شهرياً لخدمة انترنت تعيسة جداً، أي أن ثلث الراتب يُصرف على الانترنت.
ما الفرق؟
الفارق بين ما قبل هذا القرار وما بعده، أن عائلة مثلاً من 4 أفراد، كان يكتفي الأب والأم مثلاً، بتعبئة الأيام فقط من دون دولارات، مما يخفف الفاتورة من 30$ للشخصين، إلى 4ُ$، خصوصاً في ظل توفر الانترنت في المنزل والعمل والمطاعم وغيرها.
وبعض الأفراد يستخدمون الانترنت بباقات صغيرة، فهم بحاجة فقط الى بضع الدولارات، أي أن كلفة العائلة من 4 أفراد لا تتعدى 20$، فيما يريدون اليوم رفعها إلى 60$!
وتأتي هذه الخطوة في وقت أصبحت فيه كلفة الاتصالات في لبنان عبئاً واضحاً على المستهلك، ولا سيما أن أسعار الخدمات تُحتسب بالدولار في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية لشريحة واسعة من اللبنانيين محدودة.
وتكشف هيئة تنظيم الاتصالات، نفسها، أن غلاء خدمات الهاتف في لبنان يرتبط بضعف المنافسة في السوق، فيما أظهرت بيانات دولية سابقة أن لبنان كان من الدول ذات الكلفة المرتفعة لخدمات الهاتف المحمول مقارنة بدول المنطقة والدخل المحلي.
ولعل المفارقة الأبرز أن مفهوم تشريج الأيام نفسه ليس قاعدة عالمية في خدمات الاتصالات. ففي العديد من الأسواق، عندما يشتري المستهلك خطاً مسبق الدفع، تكون هناك باقات أو اشتراكات تتجدد وفق نظام محدد، ولا يتحول بقاء الرقم فعالاً إلى عملية شراء متكررة لأيام الصلاحية بالصيغة التي يعرفها اللبناني.
وحتى في لبنان نفسه، تكشف الأسعار الحالية أن صلاحية بطاقات وخيارات التشريج تختلف من منتج إلى آخر، فهناك خيارات تمتد لأيام محدودة، وأخرى تصل إلى 365 يوماً، ما يعكس تعقيداً في نموذج الدفع نفسه أكثر مما يعكس خدمة بسيطة ومباشرة للمستخدم.
وإذا كان الهدف من وقف التحويلات هو ضبط السوق السوداء ومنع استغلال هذه الآلية، فإن السؤال لا يجب أن يكون فقط كيف نمنع الاستغلال، بل أيضاً كيف نحمي المستهلك من أن يدفع ثمن المعالجة. فمكافحة السوق السوداء، لا يفترض أن تعني تقليص الخيارات المتاحة أمام المواطن الذي يلتزم بالقانون. وإذا كانت المشكلة في الوسطاء أو في آليات توزيع الرصيد، فالمعالجة الطبيعية يفترض أن تستهدف الخلل نفسه، لا أن تنقل كلفته إلى المشترك، ولا أن تكون تضخيم أرباح الشركات من جيوب الفقراء!
الأمر يصبح أكثر قسوة في بلد يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية بهذا الحجم. فحين يصبح الإنترنت والهاتف ضرورة للعمل والتعليم والوصول إلى الخدمات، لا يعود من المنطقي التعامل مع الاتصالات كسلعة ترفيه يمكن للمواطن أن يستغني عنها متى ارتفعت كلفتها. حتى البيانات الدولية حول لبنان أظهرت سابقاً أن أسعار خدمات الإنترنت والهاتف شكّلت عائقاً أمام شرائح واسعة، فيما أدت الزيادات السابقة في الأسعار إلى جعل بعض الخدمات بعيدة عن متناول فئات من المستخدمين.
وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الأكبر: في بلد يفترض أن يكون الهاتف فيه جزءاً أساسياً من أدوات الحياة والعمل، يتحول الحفاظ على الخط إلى بند إضافي في ميزانية العائلة. المواطن يدفع للكهرباء، ويدفع للمولد، ويدفع للنقل، ويدفع للإنترنت، ثم يجد نفسه أمام كلفة أخرى للحفاظ على خط الهاتف الذي يحتاج إليه أساساً للتواصل والعمل وتأمين أبسط شؤون حياته.
قد يكون تشريج الأيام والدولارات تفصيلاً تقنياً في نظر شركات الاتصالات، لكنه بالنسبة إلى مواطن يحسب كل دولار ينفقه، قد يكون الفرق بين أن يبقى خطه فعالاً أو أن ينقطع. وفي بلد صارت فيه أساسيات الحياة نفسها تحتاج إلى حسابات دقيقة، لا يجوز أن يتحول الهاتف، الذي صار صلب الحياة اليومية والعملية، إلى خدمة لا تستطيع الطبقات الأكثر فقراً تحمّل كلفتها.


