الرئيسيةSliderعودة الاحتجاجات إلى الشارع: فشل الحكومة.. أم انكشاف الغطاء؟

عودة الاحتجاجات إلى الشارع: فشل الحكومة.. أم انكشاف الغطاء؟

 | خلود شحادة | 

ليس عابرًا أن ينزل العسكريون المتقاعدون إلى الشارع في عهد رئيس جمهورية هوقائد سابق للجيش، قبل أن يكون رئيسًا. وليس تفصيلًا أن يكون وزيرا الدفاع والداخلية أيضًا من أبناء مؤسستين عسكريتين، فيما تجد المؤسسة نفسها اليوم أمام مهمة شديدة الحساسية، مواجهة زملاء الأمس، الذين كانوا حتى وقت قريب جزءًا من الجسم نفسه الذي يفترض أن يحمي الدولة ومؤسساتها.

المشهد، في حد ذاته، يحمل مفارقة سياسية، فالعسكري المتقاعد الذي يقف خلف الحاجز في وجه القوى الأمنية ليس خصمًا تقليديًا للسلطة، ولا جهة سياسية وافدة من خارج الدولة. إنه ابن الدولة نفسها، أمضى سنوات من عمره في خدمتها، ثم وجد نفسه في الشارع يطالب بحقوقه. وحين تصل العلاقة بين المؤسسة وأبنائها إلى هذه النقطة، تصبح المسألة أبعد من تحرك مطلبي عابر، إذ تكشف عن حجم التآكل الذي أصاب قدرة الدولة على احتواء أزماتها داخل مؤسساتها.

ويتزامن هذا المشهد مع تحركات ودعوات تصعيد من روابط القطاع العام، في اعتراض على واقع الرواتب والأوضاع المعيشية وارتفاع كلفة النقل، في وقت بات فيه الموظف نفسه أمام معادلة عبثية، أن يقتطع جزءًا متزايدًا من راتبه كي يتمكن أصلًا من الوصول إلى الوظيفة التي يتقاضى منها هذا الراتب.
وهكذا، لا يعود الشارع محصورًا بفئة واحدة، بل تبدأ المطالب بالتقاطع بين العسكري المتقاعد والموظف والعامل في الدولة، أي بين شرائح يفترض أنها تشكل إحدى ركائز الدولة الاجتماعية والإدارية.

هذه الوقائع لا تحتاج إلى كثير من التأويل. لكن ما يستحق التوقف عنده هو ما قد تعنيه سياسيًا.
فهل أصبح لبنان أمام انفجار اجتماعي طبيعي بلغ مداه بعد سنوات من الانهيار، أم أن الضغط على “زر” الشارع بدأ يأخذ وظيفة سياسية تتجاوز المطالب المعلنة؟

من المعروف أن الحكومات لا تنهار بالضرورة عندما تتشكل ضدها جبهة معارضة واضحة، أحيانًا تبدأ بالاهتزاز عندما تتراجع الحماسة لدى القوى التي كانت تشكل لها الرافعة، أو عندما تجد هذه القوى أن استمرارها في تحمل كلفة الفشل بات أثقل من التخلي عنها.

الحكومة التي دخلت إلى السلطة محمولة على عناوين “الإصلاح” وإعادة بناء الدولة، تجد نفسها بعد أشهر أمام ملفات ثقيلة لا تزال تراوح مكانها، من أموال المودعين إلى تحسين الأجور، ومن الطبابة والاستشفاء إلى وقف العدوان الإسرائيلي وإعادة الإعمار إلى البنى التحتية والطرقات والكهرباء والمياه.
وبين ملف وآخر، تتسع الفجوة بين ما كان اللبناني ينتظره من سلطة جديدة وبين ما يستطيع أن يلمسه في حياته اليومية.
بدأ يتكشّف للعهد الحالي، رئاسة وحكومة، أن “الدعاية” وحدها لا تكفي، وأن الخطابات السياسية التي يحفظها اللبناني عن ظهر قلب، لا تُطعم الخبز ولا تدفع فاتورة مولّد يوازي الراتب و”حبة مسك”.

المودع لا يعيش على مشاريع القوانين، بل ينتظر أمواله. الموظف لا يدفع فواتيره بالوعود، بل براتب يكفيه. المريض لا يحتاج إلى بيانات عن إصلاح القطاع الصحي، بل إلى مستشفى يستطيع دخوله من دون أن يخشى الفاتورة. والجنوبي الذي تهدّم منزله، لا تعنيه كثيرًا لغة المفاوضات إذا كان لا يعرف متى يستطيع العودة إلى أرضه، ومن سيُعيد بناء ما تهدم.

حتى الكهرباء، التي تحولت على مدى سنوات إلى امتحان دائم لكل سلطة، تعيد إنتاج المفارقة نفسها. فالشعار الذي قيل يومًا إن الحل ممكن وإن الإرادة هي المشكلة، انتهى في مكان آخر إلى الخطاب المعاكس، وبقي المواطن أمام النتيجة نفسها: لا كهرباء كافية، ولا تفسير يمكنه أن يضيء له حياته.
بذلك، أصبح الفشل السياسي أخطر من مجرد تعثّر في تنفيذ بعض الوعود. لأن تراكم الملفات من دون نتائج، يبدأ بتحويل الحكومة من “مشروع إصلاح” إلى عنوان للمساءلة.

وإذا كانت الحكومة قد عجزت عن تحقيق اختراقات واضحة في ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية أساسية، وإذا بدأت الاحتجاجات تتوسع لتشمل فئات من صلب الدولة، فهل أصبح إسقاط الحكومة خيارًا مطروحًا لدى بعض القوى التي كانت تشكل رافعة لها؟
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا الآن؟

هل الهدف حماية العهد من كلفة فشل الحكومة، عبر فصل المسارين وإلقاء المسؤولية السياسية كاملة على مجلس الوزراء؟ أم أن المسألة أوسع من ذلك، وأن العهد والحكومة معًا قد يكونان أمام إعادة تقييم ترتبط بما ستنتجه المفاوضات الإقليمية والدولية؟
لا يمكن الحسم. توقيت الاحتجاجات، وتزامنها مع تصاعد المطالب الاجتماعية، بالتزامن مع التطورات الاقليمية التي يجري الهمس عنها، كلها عناصر تجعل فرضية إعادة التموضع السياسي جديرة بالبحث.

ومن المعلوم، أنه كلما دخل الإقليم مرحلة إعادة رسم للنفوذ، تبدأ ارتداداتها بالظهور في الداخل اللبناني، أحيانًا قبل أن تصل التسوية إلى شكلها النهائي. وما يبدو في الظاهر خلافًا على راتب أو بدل نقل أو تعويض، قد يتحول، بفعل تراكم الأزمات، إلى جزء من مشهد سياسي أكبر. الشارع في لبنان ليس دائمًا مجرد مرآة للوضع الاجتماعي، في لحظات معينة يمكن أن يصبح أيضًا ساحة لإعادة توزيع القوة.

هل قررت “الرافعة” التي أوصلت العهد والحكومة إلى هذه المرحلة، أن تتملّص من مسؤولية الاستمرار في حملهما؟ هل باتت ترى أن كلفة الدفاع عن أداء حكومي متعثّر، أكبر من كلفة التخلي عنه؟ أم أن هناك قرارًا أوسع بإعادة ترتيب المشهد الداخلي بما يتناسب مع موازين القوى التي ستنتجها المفاوضات الإقليمية؟

الرافعة السياسية، حين ترفع سلطة إلى الأعلى، لا تبقى مضطرة إلى حملها إلى الأبد. وقد يأتي وقت ترى فيه أن ما كان مطلوبًا بالأمس صار عبئًا اليوم، وأن استمرارها في الدور نفسه قد يجعلها شريكة في الفشل بدل أن تكون صاحبة الفضل في الوصول.

هل تغيّرت مظلة الحماية الخارجية؟ وإذا تغيرت، هل بدأت القوى الداخلية بالبحث عن مظلة جديدة؟
تبدّل المظلات لا يحدث دائمًا بإعلان رسمي. أحيانًا يظهر أولًا في تبدّل الخطاب، ثم في تبدّل الاصطفافات، ثم في الشارع. وما يبدو في البداية كاحتجاج اجتماعي، قد يكون، في قراءة أوسع، مؤشرًا على أن قواعد اللعبة نفسها بدأت تتحرك تحت السطح.

لذلك، فإن المشهد الحالي لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية العسكريين المتقاعدين أو روابط القطاع العام أو أزمة الرواتب. هذه كلها وقائع حقيقية، ولها أسبابها الاجتماعية والمعيشية المباشرة. لكن السياسة تبدأ عندما تتقاطع هذه الوقائع في لحظة واحدة، ومع حكومة يتراجع رصيدها، وعهد لم يعد يملك ترف الوقت، وإقليم يتحرك باتجاه تسويات جديدة.

إذا بقيت التحركات محصورة بالمطالب الاجتماعية، فنحن أمام أزمة معيشية انفجرت في وجه سلطة عاجزة عن تقديم حلول. أما إذا بدأت المطالب تتحول إلى اصطفافات، وبدأت القوى السياسية التي كانت تشكل غطاءً للعهد والحكومة بالابتعاد عنهما، عندها لن يكون ما يجري مجرد احتجاج في الشارع.

شريط الأحداث