| “الجريدة” |
يصعب تفسير التصعيد الإسرائيلي المتجدد في جنوب لبنان بأنه مجرد رد على مسيّرتين قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إن “حزب الله” أطلقهما باتجاه قواته، إذ إن السؤال الأهم ليس فقط ماذا حدث، بل لماذا يحدث الآن، وما الذي تسعى “إسرائيل” إلى تحقيقه من خلال توسيع غاراتها واستهداف مناطق وقرى خارج نطاق المواقع التي أعلنت السيطرة عليها.
اللافت أن العملية الإسرائيلية في مرتفعات علي الطاهر بدأت وتصاعدت قبل الحديث عن المسيّرتين، ومن دون أن يكون هناك هجوم مماثل يبررها. وكانت “إسرائيل” قد شنت عمليات جوية وبرية واسعة في المنطقة، قبل أن تعلن في نهاية المطاف تحقيق ما سمّته “السيطرة العملياتية” على المرتفعات. لكن هذا التعبير، بخلاف إعلان السيطرة الكاملة، يترك أسئلة كثيرة حول حجم السيطرة الفعلية ومدى التقدم داخل المنشآت والأنفاق الموجودة تحتها. وقد نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول لبناني أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تسيطر على المداخل الجنوبية وتراقب المداخل الشمالية، من دون أن يكون واضحاً إلى أي مدى تقدمت داخل المجمع تحت الأرض. كما أن “حزب الله” لم يعلّق على الإعلان الإسرائيلي.
وهنا تبرز علامة استفهام أساسية: إذا كانت “إسرائيل” قد حققت فعلاً السيطرة العملياتية على علي الطاهر، فمن أين انطلقت المسيّرتان اللتان قالت إنهما استهدفتا قواتها؟ وهل انطلقتا من منطقة يفترض أنها أصبحت تحت سيطرتها، أم من خارجها؟ ولماذا لم تقدّم حتى الآن تفاصيل واضحة عن مكان إطلاقهما ومسارهما؟
هذه الأسئلة مهمة، لأن الرواية الإسرائيلية عن المسيّرتين جاءت لتوفير مبرر لجولة جديدة من التصعيد. ولا توجد، حتى الآن، معطيات مستقلة تسمح بالتعامل معها باعتبارها حقيقة مكتملة. ومن ثم فإن القول إن “إسرائيل” صعّدت رداً على هجوم من “حزب الله” يعني التسليم مسبقاً بالرواية التي تستخدمها “إسرائيل” نفسها لتبرير التصعيد.
وقد يكون لهذا التبرير هدف يتجاوز الجمهور الإسرائيلي. فـ”إسرائيل” تحتاج، أمام الولايات المتحدة خصوصاً، إلى تفسير استمرار وجود قواتها داخل الأراضي اللبنانية وعدم الانسحاب منها. ويتيح الحديث عن تعرض هذه القوات لهجمات من المسيّرات القول إن المشكلة ليست في الاحتلال الإسرائيلي للموقع، بل في أن “حزب الله” ما زال قادراً على تهديد القوات الموجودة فيه، وبالتالي فإن الانسحاب قبل إنهاء هذا التهديد سيكون، وفق المنطق الإسرائيلي، غير ممكن. وهذا ينسجم مع تصريحات إسرائيلية تربط الانسحاب من “المنطقة الأمنية” بنزع سلاح “حزب الله”.
لكن العامل الأكثر أهمية قد يكون داخلياً إسرائيلياً. فمرتَفعات علي الطاهر تحولت إلى إنجاز عسكري يمكن توظيفه في الخطاب الانتخابي، في وقت تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية ويواجه بنيامين نتنياهو وحكومته منافسة سياسية صعبة. وقد ربط محللون إسرائيليون ودوليون صراحة بين أهمية المرتفعات وبين الحسابات الانتخابية، معتبرين أن نتنياهو يحتاج إلى إظهار إنجازات عسكرية وإلى إبقاء ملف “حماية سكان الشمال” حاضراً في الواجهة.
ومن هذه الزاوية، قد لا يكون الهدف من التصعيد إشعال حرب شاملة، بل إنتاج سلسلة من “الإنجازات” القابلة للتسويق: السيطرة على موقع استراتيجي، تدمير أنفاق، ضرب بنى عسكرية، ثم الإعلان عن إحباط هجمات على القوات الإسرائيلية، بما يسمح بتقديم نتنياهو وحكومته باعتبارهما قادرين على فرض الأمن بالقوة.
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال الضغوط السياسية والقضائية التي يواجهها نتنياهو، ومنها تسارع محاكمته. لكن من الصعب إثبات وجود علاقة مباشرة بين المحاكمة والتصعيد العسكري. والأكثر واقعية أن تكون هذه الضغوط جزءاً من بيئة سياسية تجعل الإنجاز الأمني والعسكري أكثر قيمة بالنسبة إلى رئيس حكومة يستعد لمعركة انتخابية.
أما ربط التصعيد حصراً بالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما، فيبدو أقل إقناعاً. صحيح أن السيطرة على علي الطاهر تفرض واقعاً جديداً على طاولة المفاوضات، وأن واشنطن تضغط باتجاه ترتيبات تتعلق بالانسحاب ونزع سلاح “حزب الله”، لكن التصعيد قد يضعف أيضاً موقف السلطة اللبنانية داخلياً، لأنه يظهر الدولة عاجزة عن حماية الجنوب في الوقت الذي تقدم فيه تنازلات في التفاوض الذي يصبح بلا جدوى.
لذلك، يبدو أن خلفيات التصعيد أكثر تعقيداً من مجرد “رد على مسيّرتين”. فالمسيّرتان، إن صحت الرواية الإسرائيلية، قد تكونان الذريعة المباشرة، لكن الأهداف الأبعد قد تتمثل في تثبيت واقع عسكري جديد حول علي الطاهر، وتبرير استمرار الوجود الإسرائيلي أمام واشنطن، وإنتاج أوراق ضغط قبل المفاوضات، والأهم توفير إنجازات أمنية وعسكرية قابلة للاستثمار في المعركة الانتخابية الإسرائيلية.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت “إسرائيل” هاجمت علي الطاهر وسيطرت عليها من دون أن تسبق العمليةَ هجماتٌ بالمسيّرات أو إطلاق نار عليها، فلماذا أصبحت المسيّرتان الآن مبرراً لتوسيع التصعيد؟ الإجابة عن هذا السؤال، ومعرفة المكان الذي انطلقت منه المسيّرتان، قد تكشف جانباً مهماً من حقيقة ما يجري في جنوب لبنان.


