في لبنان، لم يعد السؤال الأصعب عندما يمرض الإنسان: “ما به؟”، بل “كم ستكلّفنا معالجته؟”.
المرض الذي كان في الماضي مصيبة صحية، صار اليوم مصيبة صحية ومالية في آن. وقد يكون الإنسان مريضًا، لكنه قبل أن يفكر في الطبيب والمستشفى والعلاج، يجد نفسه يحسب ما يملك في حسابه، وما يمكن أن يستدينه، وما إذا كان الضمان أو شركة التأمين ستتكفّل بالفاتورة، وكم سيُطلب منه أن يدفع من جيبه في النهاية.
في بلدٍ يفترض أن يكون فيه الضمان الاجتماعي شبكة أمان للموظف وعائلته، تحوّلت هذه الشبكة إلى مساحة واسعة من القلق والتفاوض. فالمضمون يدخل المستشفى وهو يحمل بطاقة ضمان، لكنه لا يدخل بالضرورة مطمئنًا إلى أن هذه البطاقة ستعفيه من الفاتورة. وبين التعرفة التي يعتمدها الضمان والكلفة التي تقول المستشفيات إنها تدفعها فعليًا، تظهر فروقات قد يجد المريض نفسه عاجزًا عن تحمّلها. وقد أكدت إدارة الضمان في وقت سابق من هذا العام أن المستشفيات والأطباء المتعاقدين ملزمون بالتعرفة المعتمدة، وألا يحمّلوا المضمونين فروقات غير مبررة.
وفي المقابل، تقول المستشفيات إن المشكلة لا تبدأ عند المريض، بل عند التعرفات التي لا تعكس، وفق جمعية أصحاب المستشفيات، الكلفة الحقيقية للخدمات الطبية، مشيرة إلى أن التعرفات المعتمدة من الضمان لا تتجاوز نحو 40 في المئة من الكلفة الفعلية في بعض الحالات. وبين الطرفين يبقى المريض هو الحلقة التي تصل إليها الفاتورة في نهاية المطاف.
وهنا تبدأ المفارقة الأكثر قسوة، المستشفى قد لا ينظر إلى المريض بوصفه مريضًا فقط، بل بوصفه مضمونًا أو مؤمّنًا، ولكل صفة حسابها.
من يملك تأمينًا خاصًا قد يجد أمامه أبوابًا وخيارات أوسع، فيما المضمون يدخل في متاهة الموافقات والتعرفات والفروقات. أما من لا يملك لا ضمانًا ولا تأمينًا، فقد يصبح مجرد التفكير في دخول المستشفى سببًا لتأجيل العلاج إلى آخر لحظة.
وهكذا، لم يعد اللبناني يخشى المرض وحده؛ صار يخشى المستشفى.
يخشى أن يسمع اسم العملية قبل أن يسمع شرحها. يخشى أن يوقّع على الدخول قبل أن يعرف حجم المبلغ الذي سيُطلب منه. يخشى أن يبدأ العلاج ثم يكتشف أن جزءًا منه غير مغطى. ويخشى أكثر أن يكون مرضه من النوع الذي لا يسمح له بالانتظار.
الأخطر أن هذا الواقع يدفع الناس إلى تأجيل ما لا يجوز تأجيله. فزيارة الطبيب تصبح مؤجلة، والفحوصات تُرحّل، والأسنان تُترك حتى يشتد الألم، والأعراض التي تحتاج إلى متابعة قد تتحول إلى حالات طارئة لأن صاحبها لم يكن قادرًا على دفع كلفة اكتشافها في وقت مبكر.
وبذلك يصبح الفقر عاملًا صحيًا بحد ذاته.
فالذي يملك المال يستطيع أن يمرض ويبحث عن العلاج. أما الذي لا يملك، فعليه أولًا أن يسأل إن كان يستطيع تحمّل كلفة أن يكون مريضًا.
صحيح أن المستشفيات نفسها تواجه ارتفاعًا كبيرًا في كلفة التشغيل والطاقة والمستلزمات والأدوية، وأن الضمان يحاول في المقابل إعادة بناء قدرته على تغطية المرضى بعد سنوات الأزمة. وفي حزيران الماضي، أعلنت إدارة الضمان توسيع تغطيتها لتشمل علاجات وإجراءات طبية مكلفة، كما رفعت دفعاتها المسبقة للمستشفيات بهدف تأمين السيولة واستمرار الخدمات. لكن أزمة التعرفات والفروقات بين ما يدفعه الضمان وما تعتبره المستشفيات كلفة فعلية لا تزال قائمة.
وهذا تحديدًا ما يجعل القضية أكبر من خلاف مالي بين الضمان والمستشفيات، إنها قضية مريض!
مريض لا يملك رفاهية أن ينتظر حتى تتفق المؤسسات على التعرفة. لا يستطيع أن يقول لجسده “سأعالجك عندما تنتهي المفاوضات”. ولا يستطيع أن يفاوض مرضه على سعرٍ أقل.
في النهاية، المستشفى ليس متجرًا يستطيع الإنسان أن يؤجل زيارته حتى يجد عرضًا أفضل، والمرض ليس خدمة يمكن الاستغناء عنها إذا ارتفع سعرها.
لكن في لبنان اليوم، يبدو أن السؤال عن قدرة الإنسان على العلاج أصبح مرتبطًا بشكل متزايد بقدرته على الدفع. وهنا تصبح المشكلة أكبر من فاتورة مستشفى، وأكبر من تعرفة ضمان أو عقد تأمين.
لأن البلد الذي يجعل الإنسان يفكر مرتين قبل أن يدخل المستشفى، قد وصل إلى مرحلة يصبح فيها المرض نفسه نوعًا من الرفاهية.


