تدّعي واشنطن أنها تؤدي دور الوسيط بين بيروت و”تل أبيب”، وأن حراكها الدبلوماسي يهدف إلى احتواء التصعيد وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تحول دون انفجار شامل. إلا أن كثافة الاتصالات الأميركية في بيروت تكشف، في المقابل، أن واشنطن لا تدير وساطة محايدة بقدر ما تحاول إدارة مسار تفاوضي معقّد بما ينسجم مع ثوابت الإدارة الأميركية: ربط أي انسحاب إسرائيلي تدريجي ببدء سحب سلاح “حزب الله” وتفكيك بنيته التحتية، بالتوازي مع محاولة ضبط اندفاعة بنيامين نتنياهو نحو استثمار التصعيد لفرض وقائع تخدم حساباته السياسية والانتخابية.
ويأتي الحراك الأميركي عبر جولات رئيس “مجموعة التنسيق العسكري” الجنرال جوزيف كليرفيلد، واتصالات السفير ميشال عيسى، وزيارة وفد “مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان” برئاسة إدوارد غبريال. ويبدو المشهد أشبه باستنفار دبلوماسي يسبق الجولة الثامنة من المفاوضات، هدفه جسّ النبض واختبار إمكانات التفاهم، في وقت يتصاعد فيه القصف والعمليات الإسرائيلية جنوباً، وطرح احتمال انتقال العدو إلى عمل عسكري أوسع يبدأ من مرتفعات علي الطاهر، بالتزامن مع مخاوف من انفجار إقليمي بين واشنطن وطهران قد يسعى نتنياهو إلى توظيفه لتثبيت مكتسباته وفرض وقائع جديدة.
في قلب هذا المسار، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه المحاور والضامن السياسي الرئيسي، مستفيداً من موقعه التفاوضي وقدرته على تمثيل موقف حزب الله. وقد وضع بري معادلته بوضوح: وقف الحرب، وانسحاب إسرائيل الكامل إلى الحدود الدولية، ثم انتشار الجيش اللبناني فوراً جنوب الليطاني، بحيث يصبح القوة الوحيدة الحاملة للسلاح والممسكة بالأمن في المنطقة. وفي لقائه مع مجموعة العمل الأميركية، أبدى اهتماماً بإنجاح تجربة “المناطق التجريبية”، لكنه ربط نجاحها بقبول إسرائيل بسيطرة الجيش على علي الطاهر، بما يحول دون استمرار العمليات العسكرية وتوسّع الدمار.
لكن هذه المقاربة تصطدم حتى الآن بالسقف الأميركي – الإسرائيلي. فواشنطن تربط وقف العمليات أو أي انسحاب إسرائيلي تدريجي ببدء سحب سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية، ليس فقط جنوب الليطاني، بل على نطاق أوسع. وفي هذا السياق، فإن الزيارات والاتصالات الحالية تهدف إلى نقل تقييمات مباشرة إلى واشنطن بشأن إمكان تطبيق التفاهمات المقترحة، بدءاً من حصر السلاح وآليات التحقق، مروراً بالإصلاحات، وصولاً إلى إعادة الإعمار ودعم الجيش. بمعنى آخر، تستطلع واشنطن قبل أن تفاوض، وتقيس الفارق بين ما تقوله الدولة اللبنانية وما تستطيع فعلياً تنفيذه على الأرض.



