الرئيسيةشريط الاحداثعاد من حافة القبر!

عاد من حافة القبر!

تبرز بين شهادات الناجين من الحرب في قطاع غزة قصة محمد جحا، الشاب الفلسطيني من حي التفاح، شرق مدينة غزة، الذي كُتب له أن يعود من حافة الموت بعدما ظن الجميع أنه فارق الحياة، وكاد أن يُدفن لولا لحظة فارقة أعادت جسده إلى الحياة، وفتحت أمامه فصلاً جديداً من الألم والنجاة.

يروي محمد تفاصيل ما جرى لعائلته في الأيام الأولى من تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مشيراً إلى أن منزلهم كان يؤوي نحو 150 شخصاً من أفراد العائلة والأقارب والنازحين، الذين تجمعوا فيه بحثاً عن الأمان مع اشتداد القصف.

ومع اقتراب الخطر، قررت العائلة مغادرة المنزل والتوجه إلى أحد مراكز الإيواء، على أمل العثور على مكان أكثر أمناً. لكن الواقع كان أقسى من توقعاتهم، إذ كانت مراكز الإيواء مكتظة بالنازحين، ولم يعد هناك مكان يمكنهم الاستقرار فيه، بعدما تحولت المدارس والمستشفيات إلى ملاجئ مؤقتة تعج بآلاف العائلات الفارّة من القصف.

ويذكر محمد أن عائلة عمه توجهت إلى مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في حي الدرج، إلا أن المدرسة تعرضت للقصف، ما دفع العائلة إلى مغادرتها قبل أن تضطر إلى العودة إليها مجدداً، في ظل انعدام البدائل الآمنة.

وفي 6 كانون الأول 2023، وقعت الكارثة الأكبر. فقد استُهدف منزل عائلة جحا بشكل مباشر، في قصف أسفر عن استشهاد 117 شخصاً دفعة واحدة.

يقول محمد إن أفراد العائلة كانوا يعيشون لحظاتهم بصورة طبيعية داخل المنزل، من دون أي إنذار مسبق، قبل أن يتحول كل شيء خلال لحظات إلى ركام.

بعد القصف، بقي أفراد العائلة تحت الأنقاض، فيما كان محمد فاقداً للوعي ولا يدرك ما يجري من حوله. ويضيف أن أحد جيرانه أخبره لاحقاً بأن الأهالي تمكنوا من انتشال عدد من أفراد العائلة من تحت الركام، ووضعوهم على عربة يجرها حمار، في ظل عدم توفر سيارات إسعاف، ونقلوهم إلى المستشفى.

وفي أثناء محاولات البحث عن الشهداء والجرحى تحت الأنقاض، تعرض منزلان مجاوران لمنزل عائلة جحا للقصف، ما دفع الجيران إلى وقف عمليات البحث خشية استهدافهم مجدداً، خصوصاً أن القصف طال المسجد المجاور أيضاً.

ويشير محمد إلى أن كثافة الاستهدافات خلال عمليات الإنقاذ أجبرت الأهالي على التراجع، خوفاً من تكرار القصف في المكان نفسه.

وفي اليوم التالي، عاد الجيران إلى موقع المنزل المدمر لاستكمال البحث عن المفقودين. وخلال عمليات التفتيش بين الركام، عثروا على محمد، وبدا لهم من مظهره أنه فارق الحياة.

وبإمكانات شبه معدومة، تمكنوا بصعوبة من إخراجه من تحت الأنقاض. وعندما أخرجوه، اعتقدوا أنه شهيد، فبدأوا بتجهيز إجراءات دفنه، وأدوا الصلاة عليه، وحفروا له قبراً في أرض قريبة من المنزل المدمر.

لكن خلال الصلاة عليه، حدث ما لم يكن في الحسبان.

تحرك جسد محمد بشكل مفاجئ، في مشهد أصاب الحاضرين بالذهول. وقف الجميع مصدومين وغير قادرين على استيعاب ما يرونه، قبل أن يصرخ أحد المصلين: “لسه عايش”.

في تلك اللحظة، حاول الأهالي إيقاف النزيف بوضع قطعة قماش على رأسه، لكنهم وجدوا أنفسهم عاجزين أمام واقع قاسٍ: لا سيارات إسعاف، ولا مستشفيات قريبة، ولا نقاط طبية قادرة على استقبال الحالات، فضلاً عن إحاطة الدبابات الإسرائيلية بالمنطقة، ما جعل أي محاولة لنقله مخاطرة حقيقية.

وأمام هذا الواقع، قرر الجيران نقل محمد إلى أحد منازل الحي، ومحاولة الاعتناء به قدر الإمكان إلى حين العثور على فرصة لنقله إلى المستشفى.

بقي محمد في منزل الجيران فاقداً للوعي وينزف بشدة، من دون أن يتمكن أحد من تقديم الإسعافات الطبية اللازمة له. واستمر هذا الوضع يومين كاملين، قبل أن يحذر أحد الجيران من أن محمد قد يفارق الحياة إذا بقي على هذه الحال، فقرروا المجازفة ومحاولة نقله رغم المخاطر.

أُحضرت عربة يجرها حمار، في ظل عدم توفر سيارات أو وقود، ونُقل محمد على متنها إلى نقطة طبية أقيمت داخل إحدى مدارس الأونروا شرق غزة.

وكانت الرحلة محفوفة بالمخاطر، إذ كانت الدبابات الإسرائيلية تحيط بالمنطقة، فيما كانت القذائف تتساقط والرصاص يمر فوق جسد محمد المنهك وجسد جاره الذي كان يرافقه.

تمكنت النقطة الطبية من تقديم علاج مؤقت لمحمد، لكنه بقي فاقداً للوعي ويعاني نزيفاً حاداً في الرأس. وبعد أيام من وجوده هناك، وصلت سيارة إسعاف ونقلته إلى مستشفى المعمداني غرب مدينة غزة.

هناك، دخل محمد في غيبوبة استمرت ثلاثة أشهر كاملة، ظل خلالها جسده ساكناً، وكأن سريره يحمل حكاية معلقة بين الحياة والموت.

وبعد ثلاثة أشهر، استفاق محمد من غيبوبته ليجد نفسه في عالم غامض بلا ملامح. لم يكن يتذكر اسمه، ولا عائلته، ولا ما الذي جرى له.

كان المكان صامتاً، لا يُسمع فيه سوى أصوات الأجهزة الطبية، وتفوح منه رائحة المطهرات. وفي الأيام الأولى، كان محمد يعتقد أنه يحلم، فيغفو مجدداً، قبل أن يدرك بعد أيام أنه عاد إلى واقع مؤلم.

يقول محمد إنه طلب من إحدى الممرضات أن تخبره من يكون ولماذا هو في المستشفى، لكنها رفضت في البداية. وبعد إلحاحه، أخبرته بحقيقته وبأن أفراد عائلته استشهدوا.

عندها بدأت ذاكرته تعود شيئاً فشيئاً، وعاد معها الألم، إذ تذكر عائلته والمجزرة التي فقد فيها جميع أحبته.

فقد محمد أفراد عائلته جميعاً، باستثناء شقيقته الصغيرة، التي أصيبت بجروح بالغة وخضعت لعمليتين جراحيتين داخل غزة، قبل أن يؤكد الأطباء ضرورة سفرها إلى الخارج لاستكمال علاجها.

واليوم، يعيش محمد مع شقيقته داخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، بعدما فقد منزله وعائلته وحياته السابقة.

يقول إنه بات يكره أوقات الفراغ، لأن الصمت يعيده إلى الذكريات، وإلى وجوه أحبته الذين فقدهم في القصف الإسرائيلي. ويعيش على ما تبقى من صور في ذاكرته، محاولاً التمسك بالحياة من أجل شقيقته، في واقع لا يزال قاسياً ومفتوحاً على كل الاحتمالات.

قصة محمد جحا ليست استثناءً في غزة، بل واحدة من آلاف القصص التي تعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في القطاع. إنها شهادة على هشاشة الحياة تحت القصف، وعلى قدرة الإنسان، رغم كل الألم، على التمسك بخيط رفيع من النجاة، حتى في اللحظة التي يعلن فيها الجميع موته.

شريط الأحداث