
نام العالم الليلة الماضية على شيء.. واستيقظ على نقيضه… نام على حرب قاب ساعات أو أدنى من الاندلاع مجددًا.. واستيقظ على لا حرب.. ولو مع وقف التنفيذ. ربما بات هذا المشهدُ السوريالي معتادًا ولاسيما إذا كان يتصدره دونالد ترامب. حتى آخر الليل الفائت كانت كل التهديدات والتحذيرات والوقائع تدل على ان الهجوم الأميركي الواسع على الجمهورية الإسلامية واقعٌ لا محالة بين لحظة ولحظة.. لكن قبل ان يبزغ الصباح قـَلـَبَ الرئيس الأميركي المشهد رأسـًا على عقب عندما أطلَّ من نافذة منصته الالكترونية الخاصة معلنـًا إلغاء الهجوم المقرر. ولكي لا يوحي بأنه تراجع حرص ترامب على ربط إلغاء الهجوم شرط التوصل إلى إتفاق سريع مع طهران.
وعلى غرار حالاتٍ سابقة مشابهة قال الرئيس الأميركي إن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط طلبت منه تعليق الهجوم فوافق مقابل اتفاق يشمل فتح مضيق هرمز وهو اتفاق رأى وزير خارجيته ماركو روبيو ان إيران أصبحت أكثر إستعدادًا لإبرامه. لم يـُسمِّ ترامب الدول الشرق أوسطية التي تحدثت معه لكن تبـّين لاحقـًا ان إحداها هي السعودية التي اتصل ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان به وحضـّه على الاحجام عن شن ضربات على إيران وشجـّعه على خفض التصعيد وتغليب لغة الحوار وتحقيق تهدئة تـُمهد لحلول دبلوماسية.
وفي المقلب الموازي كانت تتحرك دول وسيطة باتجاه الجمهورية الإسلامية التي كان لوزير خارجيتها اتصالات أبرزها مع السعودي والقطري والباكستاني والتركي. لم يـَصدر تعليق رسمي عن عباس عراقجي بشان اعلان ترامب الغاء الهجوم لكن القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني رأى في التصريحات الأميركية الأخيرة جزءًا من حرب نفسية. بينما نفت وسائل الإعلام الإيرانية صحة كلام ترامب عن طلب طهران منه الامتناع عن شن ضربات جديدة معتبرة كلامه كذبة جديدة.
وحدَها إسرائيل أعربت عن خيبة أمل من تراجع الرئيس الأميركي عن توجيه ضربة قوية لإيران كانت تعوّل على تنفيذها سواء بمشاركتها أو من دونها. ومن هذا المنطلق رأى خصومٌ لبنيامين نتنياهو أن إسرائيل أصبحت خارج المعادلة وان الولايات المتحدة تتحرك بمعزل عنها. أما في لبنان فإن إسرائيل تواصل اعتداءاتها جنوبـًا حيث أصيب اليوم خمسة عسكريين بجروح طفيفة بعد انفجار جسم مشبوه في بلدة كفرا الواقعة في قضاء بنت جبيل.

نام العالم على ضربة، واستفاق على إلغاء الضربة أو تعليقها. ويبدو أن الرئيس الأميركي أخذ بعين الأعتبار الأتصالات به، ولاسيما من ولي العهد السعودي. ترامب أعلن اليوم أنه سيرجىء شن هجوم جديد على إيران طالما أمكن التوصل سريعا إلى اتفاق لوقف طموحات إيران النووية، وإعادةِ فتح مضيق هرمز. وكتب ترامب على منصة تروث سوشال أن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط، طلبت مهلةً لإتمام اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى إعادة فتح المضيق “بشكل فوري وكامل وشامل” و”إنهاءِ التهديد النووي الإيراني”.
ترامب لم يذكر أسماء الدول في المنشور، الذي جاء عقب مكالمة هاتفية مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وقال: “بناء على هذا الطلب، وافقت من أجل مصلحة العالم في المستقبل، وكذلك من أجل بقاء إيران ناجحة ومزدهرة، على إلغاء الهجوم، شرط التوصل إلى اتفاقٍ سريعا”. هكذا أعصاب الكرة الأرضية على وقع تغريدة من ترامب.
لبنان في انتظارِ بعد غد الثلاثاء موعد جولة المفاوضات الجديدة في روما، التي تمتد من الرابع من الشهر الحالي إلى السادس منه.
قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة عادت إلى الواجهة مجددًا بعدما تقدَّم وضعه الصحي على الوضع القضائي. وكان لافتًا جدًا ما نقله طبيبه الخاص، جراحُ القلب، الكسندر خوري في رسالة صوتية إلى المدعي العام التمييزي القاضي رامي الحاج، التي تضمنت الحال الصحية السيئة لسلامة… في الرسالة نقل خوري عن سلامة قوله: “بما أنن بدن يروحوني رح سهِّلا عليهن”. وبعد ساعات صدر بيان عن محامي سلامة في هذا السياق. ما هو المسار القضائي والصحي الذي سيتخذه ملف سلامة؟ القرار في يد المدعي العام التمييزي.

ليسَ هناكَ تقدُّمٌ بالمفاوضاتِ الإيرانيةِ، بل تراجعٌ بالعنترياتِ الأميركيةِ. هيَ حقيقةُ السُلَّمِ الذي اخترعَهُ دونالد ترامب لنفسِهِ للنزول عن اعلى تهديداتهِ، محاولًا أنْ يُصوِّرَ الأمرَ على أنَّهُ تراجعٌ إيرانيٌّ أمامَ تصعيدهِ وعراضاتِهِ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ.
ليسَ تعقُّلًا من قبلِ دونالد ترامب وإدارتِهِ المتوحشةِ إعلانُ تأجيلِ أو تعليقِ الهجومِ الذي كانَ يلوِّحُ بهِ ضدَّ إيران، بل إنَّهُ تحسُّبٌ لما سيتركُهُ الردُّ الإيرانيُّ من تداعياتٍ على مصالحِ أميركا في المنطقةِ وعلى الاقتصادِ العالميِّ. فالإدارةُ الأميركيةُ وحلفاؤُها وأدواتُها قادرونَ على تسعيرِ النارِ بكلِّ تأكيدٍ، وإلى أبعدِ الحدودِ، لكنَّهم يخشونَ العواقبَ والتبعاتِ التي ذاقوا بعضَ إشاراتِها من الردودِ الإيرانيةِ في عمومِ القواعدِ والمصالحِ الأميركيةِ في المنطقةِ. فارتفعتِ الأصواتُ الأميركيةُ السياسيةُ والعسكريةُ عاليةً، ومعها بعضُ دولِ المنطقةِ المتورطةِ، مطالبينَ ترامب بإعادةِ الحساباتِ.
ومعَ الحراكِ السياسيِّ والأمنيِّ الأميركيِّ للجمِ ترامب، وكشفِ كبارِ جنرالاتِهم عن نقصٍ خطيرٍ في منظومةِ دفاعاتِهم لحمايةِ قواتِهم وحلفائِهم، كشفتْ مراكزُ الأبحاثِ والوسائلُ الإعلاميةُ الأميركيةُ حجمَ اعتراضِ الشارعِ الأميركيِّ على التداعياتِ الاقتصاديةِ الكارثيةِ لتفاقمِ الحربِ، فارتفاعُ أسعارِ الوقودِ باتَ يُشكِّلُ معضلةً اقتصاديةً أميركيةً، ويُصيبُ ترامب في شعبيتِهِ التي تراجعتْ إلى ما يقاربُ الثلاثينَ بالمئةِ فقط، على أبوابِ الانتخاباتِ النصفيةِ..
كلُّ هذا لا يعني أنَّ إيرانَ تأمنُ النوايا العدوانيةَ الأميركيةَ الصهيونيةَ، أو أنَّها ستبقى على هذا الحالِ من حربِ الاستنزافِ بشقَّيها العسكريِّ والنفسيِّ والاقتصاديِّ، وعليهِ فقد أعلنَ القادةُ الإيرانيونَ أنَّهم لا يثقونَ بالولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ وحلفائِها، وهم يأخذونَ نوايا التصعيدِ على أعلى محملٍ من الجدِّ، مع التمسكِ التامِّ بحقوقِهم وثوابتِهم التي لن تُغيِّرَها لا تهديداتٌ ولا حتى إقدامُ العدوِّ على أخطرِ الاحتمالاتِ، كما أشارَ القائمُ بأعمالِ وزيرِ الدفاعِ الإيرانيِّ العميدُ “سيد مجيد ابن الرضا”، مؤكدًا أنَّ إيرانَ تعرفُ نقاطَ ضعفِ الخصومِ، ويدُها على الزنادِ كما قالَ..
في منطقتِنا يُطلقُ الأميركيُّ يدَ الصهيونيِّ قتلًا وتدميرًا في غزةَ والضفةِ، وكذلكَ في لبنانَ، حيثُ يتباهى الاحتلالُ باتفاقِ الإطارِ الذي وقَّعَهُ مع السلطةِ اللبنانيةِ، ويتخذُهُ ذريعةً لمواصلةِ عمليةِ الإبادةِ العمرانيةِ لعمومِ القرى الجنوبيةِ المحتلةِ، الواقعةِ كلَّ يومٍ تحتَ عشراتِ التفجيراتِ بمئاتِ الأطنانِ، مصحوبةً باعتداءاتٍ وغاراتٍ، وتفجيراتٍ مشبوهةٍ لم يسلَمْ منها الجيشُ اللبنانيُّ، الذي أعلنَ عن إصابةِ خمسةٍ من جنودِهِ بانفجارِ أجسامٍ مشبوهةٍ في بلدةِ كفرا، فيما تُصرُّ السلطةُ المشبوهةُ على جرِّ الجيشِ الجريحِ إلى طاولةِ مفاوضاتِها مع قاتلِهِ الإسرائيليِّ في روما الثلاثاءَ.

على فوهة الانفجار الكبير تريث دونالد ترامب مستجيبا لدعوات حلفاء اقليميين ، فعلق ضرب ايران بقوة
وعلى قاعدة الاكراه لا الرضى استسلم بنيامين نتنياهو لامر العمليات الاميركي فعاد ادراجه مؤجلا مهاجمة ايران عسكريا الى اجل تحكمه استراتجية الرئيس الاميركي .
اما في الانتظار الصعب، شرق اوسط مثقل بالمشاكل، مكبل بالمطامع يقف على حافة التغيير الكبير الذي تحدد معالمه موازين القوى الاتية عقب الحرب الاميركية الايرانية المستمرة رغم الهدنة المؤقتة.
هدنة تفضلها دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ، وتستفيد من مفاعيلها تركيا والجوار الايراني ، فيما يرتب على وقعها كل من سوريا والاردن والعراق اولوياته بين حدود التصعيد ، او التكيّف او التهدئة ، فيما لبنان في مكان اخر يقف متفرجا على هاوية الانزلاق من جديد في حروب الاخرين .
فالبلد الذي يدخل الثلاثاء جولة جديدة من المفاوضات المباشرة مع اسرائيل في روما يقرأ في هوامش التطورات المتسارعة مع محاولات محدودة لحجز مكان على الخارطة الجديدة علما ان لا الحراك باتجاه واشنطن افضى الى نتيجة تذكر في حلحلة الملفات العالقة وانهاء شكل الاحتلال والسلاح ، ولا لقاءات انقرة رسمت ملامح المرحلة المقبلة ، فالمطلوب كل المطلوب استراتجية وطنية تحمي صيغة ال10452 وتحجز لها مكانا على خارطة التغيرات بدل الوقوف بموقع المتفرج المنتظر على وقع الكلام عن انتهاء لبنان الذي نعرفه وكلام اخر عن ضم البلاد الى سوريا.
بكل الاحوال الثلاثاء وعلى مدلا ثلاثىة ايام ينقاش لبنان انسحابات اسرائيلية جديدة، انما هذه المرة من مناطق محتلة اصلا. فجوزيف عون طلب مساعدة ترامب في اقناع اسرائيل على التجاوب مع المطلب اللبناني بما يبقي ورقة التفاوض بيد السلطات المعنية عبر تحقيق ولو مكسب صغير فهل توافق اسرائيل على الانسحاب من الخيام بعد رفضها تسليم بنت جبيل والناقورة للجيش اللبناني في لما لهما من رمزية فالاولى لها رمزيتها عند حزب الله، والثانية على تماس مع بلوكات الغاز الاسرائيلية . وماذا لو رفضت اسرائيل اي منطقة محتلة ؟ هو سؤال مشروع برسم الايام المقبلة.

في الداخل ترقبٌ وانتظار، وفي الإقليم تأجيلٌ لفتح النار. الرئيسُ الأميركيّ دونالد ترامب أعلن تعليقَ الضرباتِ ضدَّ إيران، مشيراً إلى أنّ القرار جاء استجابةً لطلبات من طهران ودولٍ في المنطقة، والهدف: إعطاءُ فرصةٍ أخيرة للتوصل إلى اتفاق يتضمّن إعادةَ فتحِ مضيقِ هرمز وإلغاءَ التهديدِ النوويِّ الإيراني. فهل تصمد التهدئة هذه المرة، أم تكون كسابقاتها مجرّدَ فاصلٍ صغير بين موجتين من الحرب القاسيّةِ المدمرّة؟ الإشارات تقول إنّ الإحتمال الثاني هو الأرجح. فإيران نفت وجودَ أيّ اتفاقٍ مع أميركا بشأن المضيق، مؤكدةً أنه سيبقى مغلقاً في ظلّ استمرارِ الأعمال العدائيّةِ الأميركيّة؛ ما يعني أنّ التهدئة يمكن أن تسقط كلّ دقيقة، لأنَّ الطرفين لم يتوصلا حتى الآن إلى تفاهم جديٍّ وحقيقي. لبنانياً، إنتظارٌ لمحادثات روما يوم الثلاثاء، لكنّ التصعيدَ الإسرائيلي لا ينتظر. فالجيشُ الإسرائيليّ واصل تفجيراتِه في مناطقَ جنوبيّة عدّة، وذلك بعد ليلةٍ طويلة من القصف المدفعي والغاراتِ الجويّة والتوغلاتِ والتفجيرات. الواقع الميداني المتفجّر يَدلُّ على أنّ إسرائيل تريد أن تُجرى محادثاتُ الثلاثاء “على الحامي”، أي على وقع العملياتِ العسكريّةِ المتزايدة والمتصاعدة.
أمنياً، خلية رأس النبع في العاصمة بيروت لا تزال تثيرُ الكثيرَ من الأسئلة والإلتباسات. فأحد الموقفين اعترف بانتمائه إلى حزب الله، وبأنّ الهدف من نشاط الخلية هو العملُ على تطويق المناطقِ المحيطةِ في حال استلزم الوضعُ ذلك. وهو اعترافٌ خطر. إذ يعني أنّ حزبَ الله لم يتخلَّ عن فكرة استعادةِ تجربةِ 7 أيار السوداء، متى تمكن من ذلك. وهذا الأمرُ يستدعي من جميع القياداتِ اللبنانيّةِ الضغطَ لجعل بيروتَ خاليةَ ومنزوعةَ السلاح أمراً واقعاً، وإلا فإنّ الحزب سيظل يتحيّن الفرصَ لاستهداف السلمِ الأهلي، ولضرب الوضعِ الأمنيِّ في الداخل.


