| مرسال الترس |
في سياق الصراع الأنكلوسكسوني ـ الفرنكوفوني المتجذّر في القِدم، والذي استطاع، في النصف الثاني من القرن العشرين تقليص الوجود الفرنسي في القارة الأفريقية، على سبيل المثال، إلى الحدود الدنيا، يبدو أن هذا الصراع ينسحب اليوم على الجزء المتوسطي من القارة الآسيوية، وآخر هذه المعاقل، “الجمهورية اللبنانية”، التي استقلت عن فرنسا عام 1943. وقد أوكلت المهمة إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي لعب دوره جيداً في الحرب الأخيرة على الجنوب اللبناني، والتي أعقبت حربه المدمرة على قطاع غزة.
وأحدث أوجه هذا الإقصاء تمثّل في تعطيل لجنة المراقبة في الناقورة، التي كانت مكلّفة بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، ثم في إبعاد فرنسا عن “اتفاق الإطار” الذي حصل في 26 حزيران 2026 وما انبثق عنه، فيما اصطلح على تسميته بـ”المناطق التجريبية”، بينما كان مجلس الأمن الدولي قد حدّد نهاية عام 2026 موعداً لانتهاء مهمة القوات الدولية العاملة في لبنان “اليونيفيل”، والتي تشكّل القوات الفرنسية أحد أعمدتها.
ويبدو أن هذا الإقصاء سينسحب أيضاً على أي قوة قد تُعتمد بديلاً عن “اليونيفيل”، بالرغم من الحركة النشطة التي تمارسها بعض الحكومات الأوروبية، ومنها الإيطالية والألمانية، للعب دور في هذا المجال، بالتنسيق مع الحكومة الفرنسية. لكن ثمة توجهاً للاستعانة بمصر أو باكستان بديلاً من فرنسا. وإذا نجحت حكومة العدو الإسرائيلي في هذا التوجه الإقصائي، تكون قد حققت حلماً أنكلوسكسونياً متأصلاً بإبعاد “الأم الحنون” عن مولودها “الكبير” الذي استحدثته عام 1920.
وفي حين كانت باريس حاضرة بقوة على الساحة اللبنانية، عبر أوجه متعددة وعلاقات واسعة مع مختلف الأفرقاء اللبنانيين، لوحظ أن الرئيس السابق لـ”الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، أبدى أسفاً بالغاً أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال أحدث زيارة له إلى باريس، لاستبعاد فرنسا من أي دور في هذه الحرب وتداعياتها، وحتى في مستقبل أي قوة دولية ستحل محل “اليونيفيل”، مشدداً على ضرورة أن تكون فرنسا حاضرة في أي مسار أو ترتيبات مستقبلية تتعلق بالجنوب اللبناني. وربما جاء ذلك من باب عدم تفرّد الحليفين الاستراتيجيين، أميركا و”إسرائيل”، بالمشهد.
وعلى خط موازٍ، وفي حين أكدت مصادر صحفية أن فرنسا تشعر بخيبة أمل من السياسة المعتمدة في لبنان تجاهها، بعدما عرضت قيادة قوة دولية وانتظرت طلباً لبنانياً رسمياً يدعوها إلى القيام بهذا الدور، لمست أن رغبتها قوبلت بعدم اكتراث، أو ربما بخضوع للإرادة الأميركية التي تجهد، بالتعاون مع “إسرائيل”، لاستبعاد فرنسا عن كل ما يتصل بلبنان.
وفي غضون ذلك، نُقل عن مصدر نيابي زار العاصمة الفرنسية مؤخراً تأكيده أن العريضة النيابية اللبنانية، الموقعة من 86 نائباً، باستثناء نواب “القوات اللبنانية” و”حزب الله”، والرامية إلى محاولة التمديد للقوات الدولية في جنوب لبنان، والتي رُفعت إلى نيويورك، “لن تنجح في تأمين التمديد المطلوب لليونيفيل، لاعتبارات عدة، منها ما هو أميركي وإسرائيلي، وحتى أوروبي”.
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط


