الرئيسيةشريط الاحداث"قضاة لبنان": قانون العفو انتكاسة للعدالة وسيادة القانون

“قضاة لبنان”: قانون العفو انتكاسة للعدالة وسيادة القانون

أعلن “نادي قضاة لبنان” أنه يتابع بقلق بالغ مسار اقتراح قانون العفو العام المطروح على بساط البحث التشريعي، مؤكداً أن من واجبه القانوني والأخلاقي والإنساني توضيح موقفه من هذا التوجّه، ومن المبادئ الأساسية والشروط الموضوعية التي ينبغي أن ترافق صدور مثل هذا القانون.

واعتبر النادي أن العفو العام، بوصفه إجراءً استثنائياً، لا يجوز أن يتحول إلى أداة سياسية لمعالجة فشل السلطات المتعاقبة في إدارة العدالة الجزائية، أو إلى وسيلة للتهرب من مسؤوليات الدولة في تطوير القضاء، وتسريع المحاكمات، وتحديث التشريعات، وإصلاح السجون، ووضع سياسة جزائية عادلة ومتوازنة.

ورأى أن طرح القانون في ظل غياب سياسة جزائية واضحة وإصلاح بنيوي جدي يشكل انتكاسة لمفهوم العدالة وسيادة القانون، ويكرّس منطق الإفلات من العقاب.

وأشار إلى أن الأسباب الموجبة لاقتراح القانون تستمر في تحميل السلطة القضائية مسؤولية الإخفاقات، رغم أن الشعب اللبناني تحمّل على مدى عقود نتائج سوء الإدارة والفساد وحماية المفسدين، معتبراً أن إعادة الاعتبار للعدالة تفرض دعم مرفق القضاء لا تقويضه، وأن مسؤولية تحسين أوضاعه تقع على عاتق السلطات العامة.

وأوضح أن القضاء لم يمتنع يوماً عن العمل طوعاً، بل واجه ظروفاً قسرية ناجمة عن انعدام مقومات العمل، وتدهور قيمة العملة الوطنية، وإهمال قصور العدل وافتقارها إلى الحد الأدنى من التجهيزات، مؤكداً أن هذه المشكلات طُرحت مراراً أمام المسؤولين من دون معالجة، فيما استمر القضاء في أداء مهامه رغم الظروف الصعبة.

وأضاف أن تعطّل المحاكمات الجزائية والتحقيقات يعود في أغلب الأحيان إلى تعذر إجراء التبليغات وصعوبات إحضار الموقوفين، وهي أمور لا ترتبط بالسلطة القضائية، مشيراً إلى أن إعادة تأهيل السجون وتأمين الحد الأدنى من المقومات الإنسانية فيها تقع على عاتق السلطة التنفيذية، وأن إهمالها هو السبب المباشر للاكتظاظ.

كما اعتبر أن المحاصصة السياسية في التعيينات والتشكيلات القضائية أعاقت حسن سير العدالة، إلى جانب التعسف في استخدام طلبات ردّ القضاة في قضايا حساسة بهدف تعطيلها.

ورأى النادي أن إقرار عفو عام واسع النطاق في الظروف الراهنة يشكل اعترافاً ضمنياً بفشل السلطتين التنفيذية والتشريعية في إدارة العدالة الجزائية، ويحوّل الضحايا إلى ضحايا مرتين، كما يتعارض مع المبادئ الدولية المتعلقة بحق الضحايا في العدالة ومعرفة الحقيقة والتعويض، وبواجب الدولة في مكافحة الإفلات من العقاب.

واستشهد بما أورده الفيلسوف الإيطالي شيزاري بيكاريا في كتابه “في الجرائم والعقوبات”، معتبراً أن شيوع العفو يضعف هيبة القانون ويعزز الإفلات من العقاب ويغذي العودة إلى الجريمة، مؤكداً أن العفو المقترح يعالج اكتظاظ السجون عبر تخفيف أعداد النزلاء بدلاً من معالجة أسبابه، ويتذرع ببطء المحاكمات من دون معالجة جذورها، ويوجه ضربة مباشرة لثقة المواطنين بالقضاء.

وأشار إلى أن التجارب المقارنة تثبت أن العفو العام غير المقترن بإصلاحات حقيقية وعدالة انتقالية شفافة يؤدي غالباً إلى تكرار الجرائم، وإضعاف الثقة بالقضاء، وتعزيز ثقافة الحماية السياسية، وتفكيك الردع الجزائي، محذراً من أن العفو المجرد من أي رؤية إصلاحية يبعث برسالة مفادها أن الجرائم يمكن محوها بقرار سياسي.

ودعا “نادي قضاة لبنان” السلطة التشريعية إلى التوقف عند هذه الحقائق، والكف عن توظيف القضاء لتبرير قوانين تكرّس منطق الإفلات من العقاب، والعمل بدلاً من ذلك على إقرار الإصلاحات الجذرية التي طال انتظارها في منظومة العدالة الجزائية.

شريط الأحداث

spot_img