يسعى كيان الاحتلال الإسرائيلي عبر أذرع الصناعات العسكرية المختلفة إلى إيجاد حل نجع يوقف خطر الطائرات المسيرة المتفجرة التي يمتلكها “حزب الله”، لكن النتائج حتى اللحظة تؤكد فشل “تل أبيب” في هذا الجانب.
كشفت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية أن “السباق لإيجاد حل لمشكلة الطائرات المسيّرة الانتحارية التي يستخدمها حزب الله، يتواصل بلا توقف”، مشيرة إلى أنه خلال الأشهر الأخيرة، “باتت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع مشكلة الطائرات المسيّرة الانتحارية بمنتهى الجدية”، لأن الأمر يتعلق بـ”قدرة الردع” التي يمتلكها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك بحجم الميزانية التي يستطيع تخصيصها لهذه المنظومات باهظة الثمن، كما يتعلق بحياة ضباط وجنود الاحتلال.
وأوضحت الصحيفة أن الطائرات المسيّرة الموجهة عبر الألياف البصرية “التي يصعب جداً اكتشافها ولا يمكن التشويش على عملها بسبب الليف البصري الذي يربطها مباشرة بمشغّلها، تسببت في مقتل عدد كبير من الجنود والضباط، وإصابة عدد يفوق ذلك بكثير”، ورأت أنه “لم يسبق أن امتلك العدو سلاحاً واحداً تسبب في هذا العدد الكبير من القتلى، من دون أن يتمكن الجيش الإسرائيلي من إيجاد وسيلة فعالة للتصدي له”.
وأشارت الصحيفة إلى أن الصناعات العسكرية التابعة للاحتلال، إلى جانب عدد كبير من الشركات الإسرائيلية الناشئة، وإدارة البحث والتطوير العسكري “مفات”، وجيش الاحتلال الإسرائيلي، “يعملون على مدار الساعة لإيجاد استجابة لتهديد الطائرات المسيّرة الانتحارية التابعة لحزب الله”.
وأوضحت أنه من بين الحلول التي يجري اختبارها: أنظمة الليزر، وأسلحة الموجات الميكروية، والطائرات المسيّرة الاعتراضية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، لكنها أشارت إلى أن “المشكلة تكمن في أن جميع هذه الحلول لا تزال توفر استجابة جزئية فقط، ومع ذلك، يسود التفاؤل داخل المؤسسة الأمنية، التي تعتقد أن إسرائيل ستكون أول من يتوصل إلى حل في المجال الذي أخفقت فيه كل من روسيا والولايات المتحدة، وأنها ستتمكن من إبرام صفقات ضخمة في هذا القطاع”.
وزعم جيش الاحتلال أن “الحل سيأتي قريباً، لكنه مركباً، يقوم على دمج منظومات متعددة للكشف والإنذار والاعتراض، تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقنيات مبتكرة أخرى، بحيث تعمل جميعها بتنسيق كامل، بعد أن يطور الجيش العقيدة القتالية الخاصة باستخدامها، وكل ذلك بهدف التغلب على وسيلة بسيطة، تكاد تكون بدائية؛ وهي طائرة مسيّرة رخيصة تحمل قذيفة هاون، وإذا رأيتها تحلق باتجاهك، فغالبا ما يكون الوقت قد فات”.
وقال المقدم”د”، رئيس فرع الكشف وتحديد المواقع في اللواء التكنولوجي البري التابع للقوات البرية بجيش الاحتلال “نحن نستغل وقف إطلاق النار وتراجع حدة القتال، لتسريع وتعزيز كل ما يمكن تسريعه وتعزيزه. في هذه الوحدة تتركز جهود الجيش الإسرائيلي في تحديد الوسائل المناسبة واختبارها ميدانيا، والآن باتت الظروف الميدانية تتيح لنا تنفيذ أمور لم يكن بالإمكان تنفيذها أثناء القتال، وإدخال منظومات كان من الصعب استيعابها. ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، انتقل جميع أفراد هيئة الأركان والكوادر التكنولوجية إلى العمل بأقصى سرعة، نحن نعمل في وقت مستعار، لأن المواجهات قد تتجدد في أي لحظة”.
وأكد أن “المؤسسة الأمنية بأكملها تسخر أقصى جهودها لمواجهة هذا التهديد، ما يجري لم أشهده طوال سنوات خدمتي، وكذلك على حجم الموارد التي وُضعت تحت تصرفنا لإنجاز هذه المهمة”، وأوضح أن “الدعوة وجهت لجميع الشركات الناشئة لتقديم حلول، وإدارة البحث والتطوير العسكري منهمكة بصورة مكثفة في فرز هذه الحلول واختبارها وإرسال ما يبدو واعداً منها إلى الميدان، لكننا لم نحصل على الحل بعد”.
وزعم المسؤول الأمني، أن “هناك تقدم في مجال الإنذار المبكر باقتراب المسيّرة، لكنني لا أستطيع الادعاء بأننا وصلنا إلى حماية محكمة بالكامل، وللأسف، من المرجح أن يستمر تعرض الجنود للإصابة خلال الفترة القريبة المقبلة”، موضحا أن حرب 7 أكتوبر غيرت كثيرا من المفاهيم، ومنها الإدراك بأنه لم يعد هناك متسع من الوقت لتطوير الأنظمة واختبارها وفحصها وإصلاحها ثم إخضاعها لاختبار عملياتي قبل العودة مجدداً إلى تحسينها، وأي منظومة تنجح في إظهار قدرة فعالة ترسل مباشرة إلى الميدان، على أمل أن لم مفيدة فلن تضر”.
وذكر أنه “منذ شهر أيار/مايو الماضي، خضعت عشرات التقنيات الجديدة للاختبار، وأرسل بعضها إلى القوات العاملة في الميدان، وأعلنت عدة شركات توقيع عقود مع المؤسسة الأمنية لتزويدها بالأنظمة التي تنتجها”، لافتا إلى أن “إحدى أولى المهام التي نُفذت داخل المؤسسة الأمنية هي رسم خريطة للتحديات، وتقسيم التقنيات إلى أربعة أصناف، من ضمن منظومات الكشف والتعرّف، فالمسيّرات الموجهة عبر الألياف البصرية يصعب جداً اكتشافها لأنها تحلق على ارتفاعات منخفضة بين قمم الأشجار وأسقف المباني، بينما تواجه أنظمة الرادار التقليدية صعوبة في رصدها، أما اليوم، فقد طورت عدة شركات كاميرات ورادارات وميكروفونات، إلى جانب مستشعرات متطورة مثل تقنية “LiDAR”(رادار ليزري من تطوير شركة «إنوفيز»)، التي تنجح في اكتشاف هذه الطائرات المسيّرة”.
وكشفت صحيفة “يديعوت أحرنوت” أن “وزارة الأمن وقّعت صفقة بقيمة 21 مليون شيكل مع شركة ماغوس لتوريد مئات أجهزة الرادار المتنقلة ومنخفضة الكلفة وقصيرة المدى، والتي تُنشئ مظلة تغطية متواصلة قادرة على رصد الطائرات المسيّرة الانتحارية في مرحلة مبكرة”.
أما الصنف الثاني من التقنيات؛ يتمثل في وسائل الحماية السلبية، فماذا يفعل الجنود عندما يعلمون أن طائرة مسيّرة انتحارية تقترب؟ رد الفعل الأول هو الخروج لمواجهتها وإطلاق النار عليها، وهذا ليس بخيار جيد، لأن أفراد “حزب الله” يجيدون المناورة بها بسرعة وتوجيهها مباشرة نحو رأس الجندي، ولهذا السبب، الوسيلة التي أثبتت حتى الآن فعالية أكبر من غيرها هي الحماية السلبية، أو بعبارة أخرى الشبكات المعدنية.
وأشارت الصحيفة، أنه في “هذه اللحظة، يظهر منظومة أكثر غموضاً يعتمد على حواجز أو أسوار قطع، وتهدف هذه المنظومة إلى قطع الليف البصري الممتد على الأرض خلف الطائرة المسيّرة، مما يؤدي إلى سقوطها، وقد أثبتت هذه التقنية نجاحاً في العروض التجريبية، إلا أنها لم تثبت فعاليتها ميدانياً حتى الآن”، مؤكدة أن “مهمة إسقاط الطائرات المسيّرة الانتحارية ليست سهلة على الإطلاق”.
وفي ظل الفشل في التصدي لهذه المسيرات عبر السلاح الفردي، برز هنا المجال الثالث من التقنيات، وهو الاعتراض الحركي (أي باستخدام المقذوفات والذخائر) ضد الطائرات المسيّرة الانتحارية، وقد “تحققت زيادة في الفعالية باستخدام ذخائر متشظية من عيار 5.56 ملم، تؤدي إلى توسيع نطاق الرشقة النارية”، بحسب الصحيفة التي ذكرت أن “نظام “بيغيون” (الخنجر)، وهو منظار تصويب ذكي، استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتثبيت الهدف وإطلاق المقذوف في الجزء المناسب من الثانية لضمان الإصابة، وقد أظهر كل واحد من هذه الوسائل، عند استخدامه بصورة منفردة، فعالية متوسطة، إلا أن دمجها معا أوجد “التوليفة الناجحة”.
أما المجال الرابع من التقنيات؛ وهو “الأكثر تطوراً وتعقيداً، ويتمثل في استهداف الطائرات المسيّرة بواسطة وسائل تكنولوجية متقدمة، ومن بين هذه الوسائل طائرات مسيّرة مخصّصة لاعتراض الطائرات المسيّرة الأخرى، تقوم بإلقاء شباك على الطائرات الموجهة عبر الألياف البصرية لإسقاطها، أو تنفجر بالقرب منها، أو تصطدم بها مباشرة، وشهد هذا القطاع تطوراً سريعاً، وتم بالفعل إدخال بعض هذه الأنظمة إلى الاستخدام الميداني”.
وفي إشارة على الفشل في إيجاد نظام ناجع لتحييد مسيرات “حزب الله”، لفتت الصحيفة العبرية إلى أنه “يجري أيضاً تطوير صواريخ كتفية موجّهة تطلق طائرات مسيّرة اعتراضية لمواجهة الطائرات المسيّرة الانتحارية، إلا أن هذه التكنولوجيا لم تبلغ بعد مرحلة النضج العملياتي”.
ورأت أن “المجال الذي ترى فيه المؤسسة الأمنية الإمكانات الأكبر، هو أسلحة الطاقة الموجّهة، التي تشمل مدافع الليزر ومدافع الموجات الميكروية”، موضحة أن منظومة الليزر “أور إيتان” التي تطورها شركة “رافائيل”، وحظيت باهتمام إعلامي واسع، “لم تثبت حتى الآن قدرات حاسمة”.
وفيما يتعلق بتطوير منظومات الموجات الميكروية عالية القدرة”HPM”، داخل الصناعات العسكرية الإسرائيلية، أوضحت “يديعوت أحرنوت” أنه “لا يمكن الكشف عن الكثير من التفاصيل، باستثناء القول إن كبرى شركات الصناعات العسكرية تعمل على تطوير هذه التكنولوجيا، وإسرائيل تتعاون مع شركات أميركية في هذا المجال، الذي قد يشكل القبة الحديدية للجيل القادم”.
وأقر المقدم “د” أن “خطر الطائرات المسيّرة الانتحارية يتضاعف لأنها تطور قدراتها باستمرار، وحتى إذا وجدت حلاً اليوم، فإن حزب الله سيجد غداً طريقة للالتفاف عليه، فالتهديد يتغير بسرعة”، معترفاً أن كيان الاحتلال لم يصل بعد إلى المرحلة المطلوبة في مواجهة تهديد مسيرات “حزب الله”.
وأشارت “يديعوت”، أن “المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية علقت آمال كبيرة على سلاح الليزر، لكنه حتى الآن لم يثبت فعاليته”، وفي هذا الجانب قال “د”: “الليزر يمثل جزءاً من الحل، لكن ينبغي أنه لا يوجد حل سحري واحد؛ فالعامل الحاسم هو قدرة الجيش على توفير مجموعة واسعة جداً من الحلول التي تعمل معاً في إطار من التكامل، وهذا أمر بالغ الأهمية، لذلك فإن الليزر، والطائرات المسيّرة الاعتراضية التي تلقي الشباك، والطائرات المسيّرة الاعتراضية من الأنواع الأخرى، والذخائر التقليدية، لكل منها ميزة نسبية مختلفة، لكن لا توجد وسيلة واحدة قادرة بمفردها على إسقاط الطائرة المسيّرة وإنهاء المهمة”.
وعن الدافع الاقتصادي حول البحث عن حل ناجع يزيل خطر مسيرات “حزب الله”، كشفت “يديعوت” أن “هناك جانباً آخر يقف خلف النشاط المحموم والمكثف للجهود المبذولة في مجال مواجهة الطائرات المسيّرة الانتحارية، وهو الدافع الاقتصادي، إذ يتعلق الأمر بسوق تقدر قيمته بمليارات الدولارات، يأتي جزء منها من موازنة إسرائيل، بينما يتوقع أن يأتي الجزء الآخر من صفقات مستقبلية مع جيوش دول في أوروبا والولايات المتحدة”.














