|جورج علم |
عودة العرب إلى لبنان توازي عودة الروح إلى بعض شرايين الحياة.
كان الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام يراهنان على إعادة لبنان إلى الحضن العربي – الخليجي.
لم يكن الخيار بدعة ترف، بل ضرورة، والأسباب الموجبة كثيرة. كمية الأوكسجين لم تعد تكفي، والرئة الاقتصادية تعاني من التهابات مزمنة نتيجة تراكمات لا حصر لها.
في الداخل غوغائيات، ومزايدات، وفساد، وطبقة سياسية تستكثر رمق البحبوحة على شعبها، وتضيف إلى تاريخها الأسود علامة فارقة عنوانها: “نهب أموال ناسها”.
وفي الخارج، حروب الآخرين على أرض لبنان، مع “ماركة مسجلة” بحجم الخسائر والتداعيات والتحديات التي لا تنتهي!
والحقيقة أن النصف الملتهب من الرئة يتغذى عبر الأنابيب التي تنقل الأمصال الضرورية من الخليج، سواء من خلال تدفقات أموال اللبنانيين، أو عبر المساعدات النظيفة البعيدة عن شبهات المصالح، أو رغبات الاستثمار في المعاناة.
ومع دخول لبنان العصر الإسرائيلي ـ الإيراني، عنوة ورغماً عنه، يحنّ وتر من بعيد، من كثبان الرمال، يشجي ويطرب، ويضيء بعض بصيص أمل في نعاسنا الطويل.
“بيان المنامة”، الصادر في 25 حزيران الفائت، ليس مجرد كلام على صفحة النسيان. إنه مهم من حيث الشكل والمضمون والتوقيت، وقد استدعى ترحيباً من رئيسَي الجمهورية والحكومة.
صدر هذا البيان عقب اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأميركية في العاصمة البحرينية، برئاسة مشتركة بين وزير الخارجية ماركو روبيو، والدكتور عبد اللطيف الزياني، وزير خارجية مملكة البحرين ورئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري الخليجي.
ماذا في الخلفيات؟
حمل الوزير روبيو البيان، وغادر المنامة على وجه السرعة عائداً إلى واشنطن بعدما تبلّغ أن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن الوفد اللبناني على أهبة المغادرة، فطالب فوراً بتمديد المفاوضات يوماً إضافياً لمعالجة الموقف.
من الثوابت أن الفقرة الخاصة بلبنان، والتي وردت في “بيان المنامة”، تحمل إشارة مهمة: “إنها الصياغة الأولية (البروفة) غير المعدلة لـ”اتفاق الإطار” اللبناني ـ الإسرائيلي!”.
ومن الثوابت أن المسار التفاوضي المباشر بين لبنان و”إسرائيل”، من حيث شكله وأبعاده ومراميه وتعقيداته وتحدياته، كان بنداً رئيسياً على طاولة الحوار الخليجي ـ الأميركي في المنامة.
ومن الثوابت أيضاً أن الراعي الخليجي ـ العربي لمسار المفاوضات المباشرة يكاد يوازي، من حيث أهميته المعنوية، أهمية الوسيط الأميركي.
لقد انتزع روبيو موافقة وزراء خارجية دول مجلس التعاون على المضامين قبل أن يعمل على صياغة “اتفاق الإطار”.
ومن الثوابت أيضاً التوقف عند أبرز المحطات التي وردت في “بيان المنامة”:
- تأكيد الوزراء التزامهم الكامل بسيادة لبنان، وأمنه، واستقراره، ووحدة أراضيه.
- الترحيب بالمفاوضات الثنائية الجارية بين لبنان و”إسرائيل” برعاية الولايات المتحدة، والتي تهدف إلى تهيئة الظروف اللازمة لإبرام اتفاق سلام وأمن دائم بين البلدين.
- تشديد الوزراء على أهمية الحفاظ على مسار عملية التفاوض، وألا ترتبط بأي نزاعات أخرى.
- تأكيد الوزراء أن السيادة اللبنانية الكاملة لا يمكن أن تتحقق في ظل احتفاظ جماعات مسلحة غير حكومية بقدرات عسكرية خارج نطاق سلطة الدولة، والدعوة إلى نزع سلاح جميع هذه الجماعات بالكامل، واستعادة احتكار الدولة اللبنانية للقوة.
- أكد الوزراء أهمية دعم القوات المسلحة اللبنانية في تحقيق هذا المسعى.
لم يقتصر معجن المنامة على تظهير مواصفات الرغيف اللبناني، بل كانت إيران، ببحرها وبرها وفضائها ومضيقها، زبدة البحث والتشاور. كان هرمز، وحرية حركة الناقلات، وكانت علاقة الجوار بحاضرها ومستقبلها، وبأبعادها الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تقدمت سائر الأولويات الأخرى.
إلا أن لبنان كان “كفة الميزان”. إنه البلد العربي، وفق مقدمة دستوره النافذ، ويجب أن يعود من الغربتين الإيرانية والإسرائيلية إلى حضنه العربي الواسع والضامن.
لقد حفظت السلطة اللبنانية “خط الرجعة”. قالت إن حدود العلاقة مع “إسرائيل” هي الحدود التي رسمتها المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت في 28 آذار 2002.
وقالت إن المصير اللبناني لن يمضي عرياناً، بل سيكتسي بعباءة عربية تقيه قيظ الحروب، وجنون الأعاصير.
ولم يأت رفع الحظر السعودي على الصادرات اللبنانية، وفي هذا الظرف بالذات، من باب الضرورات الاقتصادية، بل من باب الضرورات السياسية، لتأكيد دعم المسار الذي يقود إلى قيام دولة قوية قادرة على الإمساك بزمام الأمور، واسترجاع السيادة الوطنية.
ولم يأت رفع الحظر الإماراتي عن لبنان، والسماح للمواطنين الإماراتيين بالمجيء وقضاء فصل الصيف في الربوع اللبنانية، من خلفية اقتصادية ـ اجتماعية، بل من خلفية سياسية بامتياز، تحمل في طياتها مؤشرات دعم السلطة اللبنانية في مسارها الطويل الهادف إلى استعادة الوطن من مغتصبيه.
ولم يأت وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني إلى بيروت منطلقاً من اعتبارات تفرضها علاقات حسن الجوار، بل أتى منسقاً زيارته مع الأميركي والتركي والسعودي والخليجي، حاملاً بين يديه مواضيع وملفات وقضايا تهدف، في غايتها، إلى تمكين الدولة كي تصبح متمكنة، والتأسيس لعلاقات ثنائية مشيدة فوق أساسات متمكنة.
يقول دبلوماسي خليجي، ممازحاً: “يبقى بعض الرطب السعودي ـ الخليجي مفيداً للبنان في مساره الانتقالي الصعب، من الفوضى إلى كنف الدولة!”














