
الحسينُ نهجُنا، وكربلاءُ مدرستُنا، ولهذا نحنُ أقوياءُ.. وقوّتُنا يجبُ أن يُبنى عليها، كما قالَ الأمينُ العامُّ لحزبِ اللهِ سماحةُ الشيخِ نعيم قاسم، فنحنُ الأرضُ وترابُها، وبأسُ الميادينِ وسلاحُها، والشعبُ المزروعُ بأرضِ الجنوبِ، نَقتَلِعُ ولا نُقتَلَعُ..
ومن منبرِ عاشوراءَ، وفي أوّلِ أيّامِ الإحياءِ عند مرقدِ الشهيدِ الأسمى والسيّدِ الأبقى السيّدِ حسنِ نصرِ اللهِ، أطلَّ سماحةُ الشيخ قاسم بواضحِ المواقف.
فبعدَ التهنئةِ والشكرِ للجمهوريّةِ الإسلاميّةِ الإيرانيّةِ على كسرِ الجبروتِ الأميركيِّ، وعلى ربطِ ساحةِ لبنانَ بإيرانَ والإصرارِ على وقفِ العدوانِ عن لبنانَ، أطلَّ سماحتُه إلى الإنجازِ اللبنانيِّ حيث كسرَ المقاومونَ وأهلُهم المشروعَ الصهيونيَّ الذي كان يقومُ على إبادةِ حزبِ اللهِ وإعدامِ وجودِ شريحةٍ كبيرةٍ من المجتمعِ اللبنانيِّ بالقتلِ والتهجيرِ أو النقلِ إلى أماكنَ أخرى، لكنَّ المقاومةَ لن تُمكّنَ العدوَّ من قتلِنا، ولا من أن يستقرَّ في أرضِنا، ولا أن يبتلعَ بلدَنا، ومنعتْ أن يكونَ “لبنانُ العاجزُ” أو أن تكونَ “إسرائيلُ الكبرى”..
أمّا قتالُنا فلم يكنْ من أجلِ بقعةِ أرضٍ فحسب، ولا بوجهِ اعتداءٍ بسيطٍ ، كما أكّدَ الأمينُ العامُّ لحزبِ اللهِ، بل دفاعًا عن وجودٍ وعن حياةٍ وأرضٍ ومستقبلٍ ومسارٍ، ولنا الحقُّ بالدفاعِ، بل يجبُ أن ندافعَ، كما قالَ..
ومع وجوبِ الاستفادةِ من هذه المحطّةِ التاريخيّةِ، رسمَ سماحتُه الثوابتَ المصيريّةَ، فسقفُ المفاوضاتِ مع العدوِّ هو الأمنُ المتبادلُ فقط، وأيُّ مشروعٍ تحتَ سقفِ نزعِ السلاحِ لن يمرَّ، ولا توجدُ مناطقُ تجريبيّةٌ ولا مناطقُ آمنةٌ للعدوِّ، ولا صفراءُ ولا حمراءُ ولا خضراءُ، وعلى إسرائيلَ أن ترحلَ، وسترحلُ..
وللسلطةِ اللبنانيّةِ وكلِّ المعنيّينَ دعوةٌ من الشيخِ قاسمٍ إلى تثبيتِ سرديّةِ المطالبِ اللبنانيّةِ من العدوِّ، من دونِ ربطِها بأيِّ قضيّةٍ داخليّةٍ، مع إمكانيّةِ الاستفادةِ من الاتّفاقِ الذي أنهى حربَ العامِ ألفينِ وأربعةٍ وعشرينَ، الذي ينصُّ على النقاطِ الخمسِ: وقفِ العدوانِ، والانسحابِ، وعودةِ الأهالي إلى آخرِ شبرٍ من الأرضِ، وتحريرِ الأسرى، وإعادةِ الإعمارِ، ولينتشرِ الجيشُ اللبنانيُّ في جنوبِ نهرِ الليطاني حصرًا بحسبِ الاتّفاقِ.
أمّا ما يتعلّقُ بترتيبِ وضعِنا الداخليِّ من موضوعِ السلاحِ أو الاقتصادِ أو الاستراتيجيّةِ الدفاعيّةِ أو حتى تنفيذِ القرارِ 1701، فيجبُ أن يكونَ خارجَ المفاوضاتِ بالكاملِ، وإنّما ضمنَ نقاشٍ لبنانيٍّ داخليٍّ.
ومع تجديدِ نصحِه بالتحرّرِ من المفاوضاتِ المباشرةِ، دعا سماحتُه رئيسَ الجمهوريّةِ والسلطةَ السياسيّةَ إلى تحمّلِ المسؤوليّةِ وجمعِ الكلمةِ، والحوارِ والمناقشةِ الهادئةِ فيما بينَنا لنكونَ يدًا واحدةً، وللاتّفاقِ بهدفِ إخراجِ العدوِّ واستعادةِ السيادةِ، ونحنُ حاضرونَ للتعاونِ، كما أكّدَ الشيخ قاسم..
وما يؤكّدُه الميدانُ أنَّ هذا العدوَّ سيخرجُ مدحورًا مذلولًا، وأنَّ أهل الارضِ عند عزيمتِهم بتكبيدِه أفدحَ الخسائرِ، وما صدُّ المقاومينَ لخروقاتِ العدوِّ اليومَ، والتي اعترفَ خلالها بإصاباتٍ بليغةٍ بين ضبّاطِه وجنودِه في كفرتبنيتَ، إلّا بعضُ الدليلِ..

شيئاً فشيئاً يرخي التفاهم الاميركي-الايراني بظلاله على المنطقة، في وقت يبدي الطرفان ليونة واضحة في المواقف قبل يومين من التوقيع الرسمي في سويسرا، تمهيداً لانطلاق المفاوضات حول الملفات التي توصف بالصعبة. اما في لبنان، فتواصل اسرائيل خرق وقف النار، فيما احتلالها للأراضي اللبنانية مستمر، وتصريحات مسؤوليها لا توحي باستعداد للبحث في اي ترتيبات تمهد للانسحاب، على عكس التسريبات المتناثرة حول مهل محددة في هذا الاطار. غير ان دخول العامل السوري على الخط اللبناني اعاد خلط الاوراق في الساعات الاخيرة، في ضوء تكرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب الكلام على وجوب تولي سوريا احمد الشرع امر حزب الله، وأنه تحدث مع الاخير في هذا الشأن، علماً أن الشرع كان نفى قبل ايام اي نية لإقحام في بلاده في شؤون لبنان. واليوم، اكد رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي كشف الرئيس دونالد ترامب عن زيارة يقوم بها لواشنطن خلال اسبوعين، ان التأكيدات التي بلغته، وأن ما يصرّ عليه، هو أن مسار لبنان مستقل في المفاوضات، وإن كنا بالتأكيد مع وقف إطلاق النار ومع أي دولة تساعدنا، ومن ضمنها إيران، كما قال رئيس الجمهورية، مشدداً على ان التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية وهي سيدة قرارها وما من أحد يأخذ مكانها وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا، على حد تعبيره.

في المنتَجعِ السويسري المُطلّ على بحيرة لوسيرن، بعيداً عن صَخَبِ المدن، ومكللاً بهدوءِ الجبال وسِحر التاريخ، سوف يجلِسُ الوفدانِ الاميركيُّ والايراني ليُنهيا حرباً وَضعتِ الشرقَ تحت النار، وأَقفَلت مضائقَ وبحاراً، وفَتحَت جبَهاتٍ وأَشعلت محاورَ وخطوطَ تماس، وامتدَّت على مِساحاتٍ اقليميةٍ ودولية ودَخلت في تفاصيلِها حساباتٌ ومصالحُ ومخاوف. بعد أقلَّ من ثمانٍ واربعينَ ساعةً سوف تَستقبلُ الارضُ السويسريةُ المحايِدة طرفَي الحرب ليُنهيا صراعاً دَفع العالمَ الى هاويةِ الاشتعال، وقد يكونُ الاستقبالُ بروتوكولياً ومسبوقاً بتوقيعٍ الكتروني لم يَغِبْ عن مِروحةِ الخِيارات، والى هناك تتجهُ الانظارُ لتَشهَد على مذكِّرةِ تفاهمٍ سيَبدأُ بمُوجِبها مسارٌ تفاوضي للتوصلِ الى اتفاقٍ نهائي خلال فترةِ ستينَ يوماً قابلةً للتمديد. ما كُشف من المذكِّرة على شبكةِ إرسال بلومبيرغ الاميركية، قابَلَته تسنيم الايرانية بالتشكيك ناقِلةً عن مصدرٍ إيراني أنَّ ما نُشر غيرُ دقيق، والنصَّ النهائي لن يُنشَرَ وَفقَ اتفاقِ الطرفين. وعلى معطياتِ التسريبات فإنَّ واشنطن وطهران وحلفاءَهما يعلنونَ إنهاءً فورياً ونهائياً للحرب على جميع الجبَهات ويتعهدونَ بعدمِ شنِّ أيِّ عملٍ عَدائي والامتناعِ عن التهديد، وفي البنود أنَّ الولاياتِ المتحدة تَرفعُ فورَ التوقيعِ الحصارَ البحريَّ وتَلتزمُ بإنهاءِ العقوباتِ وَفق جدولٍ زمني يُتفق عليه كجُزءٍ من الاتفاق، فيما تؤكد ايران أنها لن تُنتِجَ أسلحةً نووية أبداً والجانبانِ اتَّفقا على بحثِ مصيرِ الموادِّ المخصِّبة والقضايا النوويةِ في اتفاق نهائي. وفي الخلاصة، أعلن الرئيسُ الاميركي دونالد ترامب ضِمن سيلِ تصريحاتِه اليومية، أنه ارسلَ نُسخةً من مذكِّرة التفاهم الى اسرائيل، قائلاً إنَّ حلفاءَنا أيَّدوا الاتفاقَ مع طهران، مشيراً إلى خلافٍ معَ نتنياهو بشأن لبنان، وأضاف ترامب: لا أقولُ إنه يجب ألَّا يَحميَ الاسرائيليونَ أنفسَهم لكنْ لا داعِيَ لهدم مبانٍ في بيروت. ومواكَبةً للاتفاق الاميركي الايراني، فإنَّ اسناداً اقليمياً تَشكّلَ للدفعِ باتجاه ارساءِ الحلول العابرة للمِلفات الساخنة في المنطقة، وفي معلوماتِ الجديد أنَّ خُماسيةً اقليميةً تضم باكستان ومِصرَ والسعودية وتركيا وايران بدأت بالاستعداد لعقدِ اولِ اجتماعاتِها بعد توقيعِ مذكِرة التفاهم، وعلى جدول اعمالِها البحثُ في المسارِ الاقليمي وعلاقاتِ ايران بدول المنطقة ومعالجةِ شوائبِ هذه العلاقة، وتقول مصادرُ دبلوماسيةٌ للجديد إن المِلفَّ اللبناني سيكون حاضِراً من ضِمنِ بندِ مناقشة مِلف الوكلاء او ما يُعرفُ بأذرعِ ايرانَ في المنطقة، وسينطلقُ البحثُ من مندرجاتِ الاتفاق الاميركي الايراني وظروفِ المنطقة واتجاهِ الرياح صوبَ ارساءِ الحلول المستدامة للمِلفات الساخنة. وعلى الخط اللبناني الداخلي، لفتَ اليومَ كلامُ رئيسِ الجمهورية العماد جوزف عون بأنَّ ما بَلَغَنا ونُصِرُّ عليه أنَّ مسارَ لبنان في المفاوضات مستقلّ، مضيفاً وإنْ كُنا بالتأكيد معَ وقفِ اطلاقِ النار ومعَ ايِّ دولةٍ تساعدُنا ومن ضِمنِها ايران، وفي معلوماتِ الجديد أنَّ لبنان يعملُ على إعداد اوراقِه كاملةً لمفاوضات واشنطن المقبلة في الثالثِ والعشرينَ من الجاري، معَ حِرص رئيسِ الجمهورية على استكمالِ المسار التفاوضي من منطلقِ سيادةِ لبنان واستقلاليةِ قرارِه، وتأكيدِ ثوابتِ الانسحابِ الاسرائيلي واستعادةِ الاسرى وصولاً الى الاستقرارِ الامني الذي سيَليهِ اعادةُ الاعمار. وبحَسَبِ المعلومات فإنَّ خِيارَ المناطقِ التجريبية يتقدّمُ على ما عَداه، لكنَّ تفاصيلَ المكانِ والمِساحات لم تُحسَمْ بعد وهو ما ستناقِشُه طاولةُ واشنطن المقررة على مدى ثلاثةِ أيام. وبانتظار توقيع سويسرا أولاً وطاولةِ واشنطن ثانياً، فإنَّ الميدانَ لم يَهدأْ ناراً وتصريحات، ففي الجنوب تتواصلُ الخروقاتُ بالمسيّراتِ والصواريخِ والقصفِ المِدفعي والطيرانِ الحربي، وعلى ضِفة المواقف، اعلن الأمينُ العامُّ لحزبِ الله الشيخ نعيم قاسم أنه لا يوجد مناطقُ تجريبيةٌ ولا مناطقُ آمِنة لاسرائيل بل عليها أن ترحل، وفي رسالةٍ لافتة إلى رئيسِ الجمهورية والسلطةِ السياسية، دعا قاسم إلى تحمّلِ مسؤوليةِ جمعِ الكلمةِ والحوارِ والمناقشةِ الهادئة والاتفاقِ فيما بينَنا ونحن حاضِرون للتعاون. هي رياحُ الحلولِ والتسوياتِ هَبّت من خُطوطِ التوترِ العالي باتجاه هدوءِ الجبالِ السويسرية لتنسحبَ على مِلفاتٍ وساحاتٍ اشتَعلت بصواعقِ التفجير، وتَنتظرُ زمنَ التسوياتِ الكبيرة والحلولِ المرتقبة.

يُتابع اللبنانيون الاخبار بشغف . شاشات التلفزة ممتلئة بالتحليلات، والمقاهي بالنقاشات: من ربح الحرب؟ واشنطن أم طهران؟ ومن فرض شروطه على الآخر، من النووي الايراني الى مضيق هرمز إلى جنوبي لبنان, وماذا عن مسار المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية برعاية اميركية؟ وماذا عن رد فعلِ اسرائيل على ما يجري؟ ينشغل كثيرون بتسجيل الأهداف السياسية، فيما يطرح آخرون سؤالاً مختلفاً: ماذا لو نجحنا هذه المرة في تحويل اي تفاهمات إلى فرصة؟ وماذا لو تحوّل الاستقرار إلى استثمارات وفرص عمل وسياحة وثقة بالدولة؟ السؤال يكتسب أهميته لأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة. اتفاق أميركي – إيراني يُفترض أن يوقّع الكترونيا في الساعات المقبلة, ويُستتبع الجمعة بجلسةِ تفاوض اوليّ بناءً على الاتفاق , اما نتائجه السريعة فوقفُ نار على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان. جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، تبدأ في الثالث والعشرين من حزيران، وتمتد حتى الخامس والعشرين منه في واشنطن ,وهي تشمل مباحثات سياسية واخرى عسكرية, وتُختتم بجولة سياسية عسكرية بين وفدي البلدين, تسعى واشنطن لاعلان نص نيّات في نهايتها, تضع لمساته الاخيرة الخارجية الاميركية, حسبما قالت مصادر مطلعة للـLBCI. واعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب منذ قليل عن زيارة رسمية سيقوم بها الرئيس جوزاف عون الى واشنطن . كل ذلك، فيما يصر لبنان الرسمي على تثبيت معادلة فصل مساري التفاوض. وهذا ما اعلنه رئيس الجمهورية جوزاف عون، قائلا: نحن مع وقف النار, ومع اي دولة تساعدنا في ذلك, من ضمنها ايران, لكن الدولة وحدها تفاوض وتتخذ القرار، وايُّ تسوية ستأتي من خلالها ولمصلحتها لا على حسابها. رئيس الحكومة نواف سلام يُجري من جهته مباحثات في باريس غدًا مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، تتناول ملفات أساسية، من الاتفاق الاميركي الايراني، الى نتائج قمة السبع، وصولا الى مستقبل القوات الدولية العاملة في الجنوب. اهمية كل ما يحصل في نقطتين: لبنان الدولة يحاول ان يكون جزءا من اي تفاهمات تطاله . واي تفاهمات، تضع الجميع امام مسؤولية كبيرة: فالمهم ليس من ربح ومن خسر، بل القدرة على تحويل هذه اللحظة الإقليمية إلى فرصة وطنية نادرة.














