spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderكاسحة أميركيّة.. و"قطع غيار" صينيّة!

كاسحة أميركيّة.. و”قطع غيار” صينيّة!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

تعطّلت كاسحة الألغام الأميركية في مضيق هرمز، فتوجّه الرئيس دونالد ترامب إلى الصين بحثاً عن “قطع الغيار”!

يدرك بأن العلاقات التي رسّختها الناقلات العملاقة بين إيران والصين أقوى من عرض العضلات فوق المياه المتموّجة، وأن بحار الخليج شهدت الكثير من قوافل المدمرات وحاملات الطائرات التي أزبدت، ثم انتهى زبدها فقاعات متكسّرة عند الشواطئ المروّسة.

لا يسمح الوضع المأزوم بهذا القدر من الغطرسة، لأن الحقائق الصادمة التي انكشفت، وتنكشف تباعاً، تفرض على واشنطن قدراً عالياً من الجدّية للإحاطة بالمستجدات والتوقّعات المستقبلية، بعدما غشّى الرذاذ الخليجي نظارات أصحاب القرار، سواء في البيت الأبيض أو داخل الكونغرس.

تضجّ مختلف وسائل الإعلام الأميركية هذه الأيام بخفّة المواقف المرتجلة والمتسرّعة والمتقلّبة. تتحدّث عن “عصفورية” متنقّلة، يتفوّه صاحبها بالمفيد ثم بنقيضه. لا أحد يستطيع اللحاق بشوارد أفكاره وخواطره، ولا البناء على ثابتة واحدة، لأن الثوابت عنده أشبه بـ”رقّاص الساعة” الذي لا يتوقف. وإن توقف تعطّلت الساعة، وتوقّف سوق العرض والطلب في بورصة الأسهم وسوق المضاربات!

كان يمنّي النفس بأن يحمل تحت إبطه ملف مضيق هرمز ووثيقة الاستسلام ممهورة بتوقيع “الحرس الثوري”، ويصل إلى بكين ليملي شروطه على الرئيس شي جينبينغ. لكن الميدان خذله، وما لم يتمكن من فرضه عن طريق القوة، يعجز عن الاستئثار به عبر المفاوضات.

لقد استخفّ طويلاً باستراتيجية “الحزام والطريق” الصينية، وها هو يعود إليها بعد التجربة المرهقة في الخليج، ليستعين بالدبلوماسية الهادئة الرصينة، لعلّها تستطيع إنجاز ما عجزت عنه كاسحة الألغام الأميركية، وفتح ممرات المضيق أمام حرية الملاحة.

سبقه إلى بكين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وأودع نظيره الصيني رؤية طهران، لكي تكتمل العناصر التي يمكن أن تشكّل القاعدة والمنطلق لأي مبادرة صينية إنقاذية، هذا إذا ما اقتنع الزعيم الصيني بالاضطلاع بوساطة لتقريب وجهات النظر، لأن حساباته لا ينظر إليها من زاوية ضيّقة، بل من زوايا منفرجة، تأخذ في الاعتبار مصالح روسيا والمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى المصالح الأوروبية ـ الدولية، وأوجه الشبه بين الأزمة الأوكرانية والأزمة الإيرانية، انطلاقاً من سؤال محوري: لماذا يجب أن تكون الحلول سريعة في مضيق هرمز ومحيطه، ولا تكون كذلك في “المضيق” الأوكراني، وقد مرّت خمس سنوات على انحباس أنفاسه؟

ويذهب لبنان بدبلوماسيته نحو الفاتيكان بدلاً من أن يذهب إلى الصين، لعلّ صلوات الحبر الأعظم تجدي نفعاً أكثر مما تجدي الكواليس الأميركية ـ الصينية.

الطريق بين بيروت وروما سالكة، وإن بحذر، إذ لا تعترضها عوائق أميركية ضاغطة. لكن الأمر مختلف بين بيروت وبكين، لأن أي رحلة يُخطَّط لها لا بدّ أن تحظى مسبقاً بتأشيرة أميركية تُمنح بعد معرفة الهدف والغاية والمصلحة!

الهيمنة الترامبية واضحة، و”مختار المحلّة” إسمه ميشال عيسى، وسندويشة الفلافل اللبنانية باتت رائجة في بعض مطاعم واشنطن ونيويورك، لكن بمواصفات أميركية!

والوسيط ماركو روبيو، الذي يشغل منصب رئيس مجلس الأمن القومي بالإضافة إلى مسؤوليته الرسمية كوزير للخارجية، كان في الفاتيكان وروما قبل وصول الوزير يوسف رجّي. والهدف واضح: توفير بعض البهارات والمقبّلات للطبخة التفاوضية كي تصبح مقبولة المذاق!

يأتي هذا التحرّك للتخفيف من وحشة “اللاءات” التي حملها ميشال عيسى من واشنطن إلى بيروت:
لا للمفاوضات غير المباشرة. واشنطن ترفضها، وتل أبيب لا تريدها، وبالتالي لا تريد أي نوع من المفاوضات في الوقت الراهن، حيث المجال متاح أمامها إقليمياً ودولياً لفرض المزيد من الهيمنة على أرض الواقع. وإذا كان لدى المحاور اللبناني وسيط آخر يقود إلى مفاوضات غير مباشرة، فإن الولايات المتحدة سوف تتنصّل!

ولا لوقف إطلاق النار. وإن حصل، فهو لفترة محدودة بهدف اختبار النيات.

“إسرائيل” تعلن بالفم الملآن أن وقف إطلاق النار من جانبها يتم بعد حصر السلاح وتفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله”.

وواشنطن تقول إن وقف إطلاق النار لا يتم من جانب واحد، وعلى الدولة أن تفي بالتزاماتها في حصر السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم.
ولا ثالثة: لا لأي تأجيل للمفاوضات، مهما كانت الأسباب والدوافع أو الذرائع.

ما يعني واشنطن هو أن تنطلق المفاوضات من دون التوقف أمام المحاذير. هناك خريطة طريق مرسومة، ويجب أن ينطلق المسار وفق ما هو مرسوم للوصول إلى النتائج المتوخاة، التي يسعى إليها كل طرف: الأمن والسيادة والاستقرار والازدهار.

وأخيراً، لا مفاوضات بالإنابة، ولا أحد يفاوض نيابة عن الآخرين. من يفاوض عن لبنان هو لبنان: الدولة والشرعية والمؤسسات، وفق ما يرسمه الدستور اللبناني.

ويبرّر السفير عيسى “لاءاته” بدور الوسيط الذي تلعبه بلاده، وهو دور ستظهر فعاليته عندما تبلغ المفاوضات المنعطفات الصعبة والخيارات المحرجة. ولا تقتصر هذه الخيارات على المقلب اللبناني، بل تتصل بالترابط القائم مع المقلب الآخر المتوتر في المنطقة، والسعي إلى أن يؤكل الشهد من دون إبر النحل!

لقد فعلت كاسحة الألغام الأميركية فعلها، وربما انتهت مهمتها، وذهب الرئيس ترامب إلى بلاد شي جينبينغ بحثاً عن “قطع الغيار” لتفعيل مسار الحوار.
وبدوره، يسعى الرئيس جوزاف عون إلى البحث عن “قطع غيار” لتفعيل الحوار، تجنباً لمفاعيل الكاسحة الإسرائيلية ـ الأميركية على السواء.
يكفي… لقد تحوّل لبنان إلى مقبرة!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img