
| فقار فاضل |
فيما تتقاطع الملفّات الأمنية والسياسية في العراق عند مستوى غير مسبوق من التعقيد، برزت زيارة قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني»، الجنرال إسماعيل قاآني، إلى بغداد خلال اليومين الماضيين، بوصفها محطّة مفصلية تتجاوز في دلالاتها ملفّ تشكيل الحكومة الجديدة، لتلامس مباشرة توازنات الإقليم، ولا سيما بعد التقارير الغربية التي تحدّثت عن تمركز عسكري إسرائيلي داخل الأراضي العراقية. وبحسب مصادر سياسية وأمنية متعدّدة، فإن زيارة قاآني حملت أبعاداً أمنية واضحة، تجلّت في عقد لقاءات مع قادة في فصائل المقاومة وشخصيات سياسية بارزة، إلى جانب مسؤولين حكوميين، وتناولت التطورات الإقليمية، ولا سيما في ما يتصل بالتصعيد بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. وتُبيِّن المصادر أن تلك اللقاءات تناولت إعادة تنظيم وضع الفصائل، وضمان استمرار قنوات التنسيق الأمني، خصوصاً في ظلّ تصاعد الحديث عن عمليات عسكرية مُعقّدة قد تطاول عمق المنطقة. وفي هذا السياق، يرى الخبير الاستراتيجي، سيف رعد، أن زيارة قاآني «تعكس قلقاً إيرانياً متزايداً من احتمالات استخدام الأراضي العراقية في عمليات تستهدفها»، مشيراً إلى أن إيران «تتعامل مع المشهد العراقي بوصفه جزءاً من أمنها القومي المباشر في هذه المرحلة».
وتأتي زيارة قاآني في ظلّ تقارير إعلامية غربية تتحدّث عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية سرية في الصحراء الغربية للعراق، وتحديداً بين النجف وكربلاء، استُخدمت لدعم عمليات ضدّ إيران. وعلى الرغم من النفي العراقي الرسمي لذلك، إلا أن إيران لم تستبعد صحّة تلك الرواية بشكل كامل؛ إذ قال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن بلاده «لا تستبعد أيّ احتمال يتعلّق بأنشطة الكيان الصهيوني في المنطقة»، مؤكداً أن طهران ستطرح الملفّ مع بغداد. وفي المقابل، نفت «خلية الإعلام الأمني» وجود أيّ نشاط عسكري أجنبي، فيما اعتبرت لجنة الأمن والدفاع النيابية أن المعلومات تستوجب تحقيقاً مُعمّقاً واستضافة القيادات الأمنية. وفي تعليقه على ما تَقدّم، يرى القيادي في «الإطار التنسيقي»، علي حسين، أن «ما يُطرح حول وجود خروقات أو نشاطات عسكرية أجنبية داخل الأراضي العراقية يمثّل انتهاكاً خطيراً للسيادة»، مضيفاً أن «العراق لا يمكن أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصّة لأيّ عمليات تستهدف دول الجوار، سواء أكانت إيران أم غيرها». ويشير إلى أن «الزيارات المتكرّرة لمسؤولين إيرانيين إلى بغداد تأتي في سياق التنسيق الأمني الطبيعي بين دولتَين جارتَين، خصوصاً في ظلّ التهديدات المتصاعدة التي تواجهها إيران من قِبل إسرائيل»، مؤكّداً أن «العراق معنيّ بالحفاظ على أمنه الداخلي ومنع أيّ خرق سيادي».
وإذ تبدو فصائل المقاومة في وضع إعادة تقييم لدورها في المرحلة المقبلة، وسط مخاوف من تصعيد إقليمي مُحتمل قد يضع العراق في قلب المواجهة من جديد، تشير تقديرات بعض الأطراف السياسية إلى أن طهران تعمل عبر قنوات متعدّدة، أبرزها زيارة قاآني، على ضبط إيقاع الفصائل ومنع انزلاقها نحو مواجهات غير محسوبة، خصوصاً مع الحديث عن استهدافات محتملة أو عمليات عسكرية عبر الحدود. ومن جهته، لا يبدو رئيس الحكومة المُكلّف، علي الزيدي، في منأى عن هذه التطورات، إذ تشير تقديرات داخلية إلى أن استمرار الرجل في مسار تشكيل حكومته دخل مرحلة إعادة التفاوض، بعد أن كان شبه محسوم في الأسابيع الماضية.














