| العميد الدكتور المحامي أمين عاطف صليبا |
تردّدت كثيراً في التدخل لإبداء أي رأي في ما خصّ قانون العفو العام، لكن بعد الذي قرأته على صفحات التواصل الاجتماعي، وما سمعته من تصريحات بعض النواب والقوى السياسية، استشعرت بأن هذا القانون لن يحقّق أهدافه لجهة طيّ صفحة الماضي والانتقال إلى العدالة الانتقالية وفتح صفحة جديدة من الوفاق اللبناني – اللبناني، بل سيكون عامل تفرقة بين اللبنانيين. فقلت في نفسي: يكفي تشظية هذا اللبنان!
والذي زاد من وجوب تدخّلي، ما سمعته وقرأته من مواقف يخرج بعضها عن أصول الوحدة اللبنانية، كما أنّ اجتماع رئيس الجمهورية، الأحد، مع وزير الدفاع وعدد من النواب، الذين تربطني بغالبيتهم صداقة، والشحن المذهبي الذي تنضح به وسائل التواصل الاجتماعي، دفعاني إلى كتابة هذه المداخلة الهادفة إلى جمع الشمل اللبناني، لأنّ المتابعة تشي بأن هذا القانون سيكون موضع تفرقة بين اللبنانيين، وهذا ليس من مصلحة لبنان الجريح، الذي يسعى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء إلى جمع شمل أبنائه من أجل خلاصه.
أبدأ مداخلتي بالتأكيد أنّ استشهاد العقيد المغوار ميلاد الندّاف، في بداية عام 2000، في مواجهة بين الجيش اللبناني وجماعة مسلّحة في جرود الضنية، لا يزال ماثلاً في وجداني، إذ كنت يومها قائداً لمنطقة الشمال الإقليمية في قوى الأمن الداخلي. صحيح أنّنا لم نشارك كقوى أمن في تلك المواجهة التي حصلت بين الجيش والمسلحين، لكن الحقيقة أنّني لم أتمكّن يومها من حبس دموعي على استشهاده ومن معه من العسكريين في بلدة كفرحبو، لأنّ هؤلاء كانوا جميعهم من المسيحيين، ولكن بإرادتهم.
والسبب في ذلك أنّه عندما انطلق العقيد الشهيد بدوريته للتأكد من وجود مسلحين في مبنى إذاعة مهجورة، كان موعد الإفطار في شهر رمضان سيحلّ بعد نصف ساعة، فبادرت العناصر المسيحية إلى الحلول مكان إخوتهم المسلمين، تحسّباً من أن تتأخر الدورية عن موعد الإفطار، فحصل الذي حصل.
أكتب هذا الكلام للمرة الأولى لأقول إنّ غالبية اللبنانيين مع الجيش، كونه حامي الوطن. ولهذا أطلب من كافة الأطراف اللبنانية، المؤيدة لقانون العفو العام والمتحفّظة على شموليته، أن تسمع صوتاً لبنانياً صادقاً يقول إنّ العفو العام وُجد في دساتير كافة الدول، وهو من صلاحيات السلطة التشريعية، التي تملك سلطة استنسابية مطلقة في إقراره، شرط توافق الأغلبية النيابية على القانون.
فالهدف منه فتح صفحة جديدة بين اللبنانيين المعنيين ببعض الجرائم التي ارتُكبت بحقهم، والعفو العام لا بدّ أن يكون هدفه طيّ صفحة التنابذ بين أبناء الوطن الواحد.
هنا تأخذني ذاكرتي القانونية إلى ما حصل في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وما قامت به حكومة “فيشي” من دعم للنازية بعد سقوط باريس بيد القوات الألمانية، ووصول الاحتلال الألماني إلى مشارف الجنوب الفرنسي.
وبالطبع، لا داعي لتذكير المثقفين بما واجهه الشعب الفرنسي الرافض للاحتلال من قبل أبناء جلدته الذين انضموا إلى قوات هتلر لسنوات طويلة، حيث وُضع هؤلاء، بعد تحرير فرنسا، في السجون الفرنسية بموجب أحكام صادرة عن القضاء العسكري بصورة مشدّدة. لكن سرعان ما أدرك الشعب الفرنسي عام 1951، أي بعد ست سنوات من انتهاء الحرب، وفي ظل رئاسة الرئيس الفرنسي فنسان أوريول، أول رئيس للجمهورية الرابعة، أنّه يجب طيّ هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ فرنسا، والتعالي عمّا ارتكبه المساجين خدمة للنازيين، فصدر عن المجلس النيابي قانون العفو العام عن هؤلاء بتاريخ 5/1/1951.
ومن الطبيعي أنّ هذا القانون لم يشمل القائد العسكري المارشال فيليب بيتان، الذي حُكم عليه بالإعدام، والذي توفي لاحقاً بعد ستة أشهر، بتاريخ 23/7/1951، في جزيرة “يو” الفرنسية عن عمر ناهز 95 عاماً، حيث كان يقضي عقوبة المؤبد بعد أن خفّف الجنرال ديغول عقوبته بسبب تقدّمه في السن، ولكونه كان يُعتبر بطلاً قومياً في الحرب العالمية الأولى.
لن أطيل الشرح، بل أطلب من المؤيدين والرافضين لقانون العفو، لا سيما أنّ تأجيل جلسة اللجان المشتركة خير دليل على عدم التوافق لإصدار هذا القانون، الذي نراه ضرورياً، وأتمنى على كل الذين أبدوا رأيهم في هذا المجال، مستندين إلى مبادئ دستورية إيجابية أو سلبية، مثل مبدأ المساواة وعدم تخصيص القوانين، وما إلى هنالك من أسانيد من كلا الطرفين، ألّا نتجادل في هذا الأمر.
وبنظري المتواضع، فإنّ هذه الأسانيد الدستورية لا تقدّم ولا تؤخر، لأنّ قانون العفو العام، وفق الدستور، هو قانون استثنائي لمعالجة قضية استثنائية بضوابط محددة.
لذلك، علينا أن نضع مصلحة لبنان العليا فوق كل اعتبار، تاركين للمجلس النيابي اتخاذ القرار الذي يحظى بأعلى درجة من التوافق اللبناني، وذلك تماشياً مع شرعة حقوق الإنسان والإعلان العالمي للحقوق السياسية والاجتماعية للإنسان، حيث يتم التأكيد في تلك الشرعات الدولية على أنّ العقاب ليس هادفاً إلى تعذيب الإنسان المُدان، بل إلى إعادة تأهيله، وأنّ العدالة المتأخرة ليست بعدالة.
فمن هذا المنطلق نستطيع الخروج من أزمة إقرار هذا القانون، طالما أنّ الهدف منه تحقيق المصلحة العليا للبنان وشعبه، ولنضع نصب أعيننا مصلحة لبنان التي تتطلب منّا بعض التضحيات، مع التأكيد أنّ وحدة الوطن ووحدة سياجه، أي الجيش اللبناني وكافة القوى الأمنية، هما الغاية الأساسية لاستصدار هذا القانون.
(*) رئيس هيئة الأركان الأسبق في قوى الأمن الداخلي، وعميد معهد العلوم السياسية في جامعة الجنان ـ طرابلس.














