spot_img
spot_img
الرئيسيةشريط الاحداثعن مشروع وُلد ميتاً: ترامب يواصل حربه.. بالارتجال

عن مشروع وُلد ميتاً: ترامب يواصل حربه.. بالارتجال

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| ريم هاني |

لا يبدو قرار تعليق «مشروع الحرية» مستغرَباً، ولا سيما أنه قوبل، منذ اللحظة الأولى، بتشكيك واسع في أوساط الخبراء العسكريين والشركات البحرية، في وقت أدركت فيه إيران، باكراً، «قواعد اللعبة»، مرسّخةً قدراتها لإثبات أن المضيق لن يكون آمناً لأحد قبل إنهاء الحرب.

هذه المرّة، لم تَدُم «مقامرة» دونالد ترامب الجديدة التي أطلق عليها تسمية «مشروع الحرية» طويلاً، قبل أن يتّضح في غضون أقلّ من 48 ساعة أنها خطوة «ناقصة» جديدة، ما دفع بترامب إلى إعلان تعليقها الإثنين، في تراجع مُحرِج بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، ولا سيما وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي كان قد أمضى معظم مؤتمره الصحافي الصباحي في «البنتاغون» وهو يشرح مدى «أهمية» المشروع الجديد. ولا يبدو قرار ساكن البيت الأبيض مستغرَباً إلى حدّ كبير، ولا سيما أن مشروعه، الذي يشكّل، في جوهره، محاولة لتعزيز ثقة صناعة الشحن في البيئة الأمنية، من دون الحاجة إلى إصدار أمر للبحرية بتطهير المنطقة بـ«القوة»، قوبل، منذ اللحظة الأولى، بتشكيك واسع في أوساط الخبراء العسكريين والشركات البحرية، فيما أدركت إيران، باكراً، «قواعد اللعبة»، مرسّخةً قدراتها لإثبات أن المضيق لن يكون آمناً لأحد قبل إنهاء الحرب.

وبحسب شبكة «إم إس إن بي سي» الإخبارية الأميركية، عرف الإيرانيون، منذ اللحظة الأولى، أنه في حال تمكّنت الولايات المتحدة من ضمان قدرة الناقلات والسفن الأخرى على مواصلة رحلاتها من دون تدخّل من جانب إيران، فقد تُسقِط واشنطن أقوى ورقة تمتلكها طهران، وتشكّل عائقاً كبيراً أمام قدرة الأخيرة على الاحتفاظ بنفوذها في وجه الولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط. وعليه، كان لدى إيران حافز قوي للتأكد من فشل عملية إدارة ترامب، وإرسال إشارة إلى الأخير بأنه لا توجد وسيلة لإعادة فتح المضيق، باستثناء إنهاء الحرب إلى الأبد، وذلك من خلال ربط أيّ حراك أميركي في «هرمز» بعودة القتال. وتُرجمت هذه الرسالة سريعاً باستئناف طهران هجماتها الصاروخية ضدّ الإمارات، وضرب السفن بالطائرات المُسيّرة، جنباً إلى جنب التضييق على السفن التجارية الأميركية التي كان الجيش الأميركي يقودها للخروج من المنطقة.

وبحسب الشبكة نفسها، ولسوء حظّ ترامب، من الأسهل على الإيرانيين إبقاء نقطة الاختناق مُغلقة، مقارنة بقدرة الولايات المتحدة على إجبارهم على فتحها. ومردّ ذلك، بشكل رئيس، إلى أن الشركات تميل إلى تجنّب المخاطرة، وأنها حسّاسة لبيئة التهديد. بمعنى آخر، لن تخاطر معظم شركات الشحن بسمعتها وبضائعها الباهظة الثمن وحياة موظفيها، ما دامت هناك فرضية «جيدة» للإصابة بصاروخ أو للتعرّض للإيقاف من قِبل «الحرس الثوري الإسلامي»؛ وهو ما يفسّر عدم ارتفاع نسبة الرحلات الأسبوعية عبر المضيق خلال فترة إعلان ترامب «القصيرة» عن «مشروع الحرية». أمّا السبب الآخر الذي أدّى إلى إفشال المبادرة الأميركية، بحسب الشبكة نفسها، فهو أن الافتراضات التي استندت إليها، منذ البداية، بدت «معيبة»؛ إذ كان ترامب يأمل في أن تؤدي إعادة «هرمز» إلى «وضعه الطبيعي» إلى تغيير ميزان القوى في أعالي البحار، وبالتالي زيادة احتمال توقيع الإيرانيين على اتفاق بشروط الولايات المتحدة. على أن ما حدث هو العكس تماماً؛ فما اعتبرته واشنطن إجراءً «إنسانياً» نُظر إليه في طهران على أنه تصعيد، ما دفعها إلى الردّ، في وقت لم يكن فيه استمرار الضربات الإيرانية، بضعة أيام، ليؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى أعلى فحسب، بل أيضاً إلى تقويض أيّ محادثات غير مباشرة خلف الكواليس بين الأميركيين والإيرانيين.

من جهتها، أدركت السعودية وغيرها من دول الخليج أن خيار ترامب بات يمثّل «وصفة» لعودة الحرب، وبالتالي تهديد مصالحها، من دون تحقيق أيّ خرق في ما يتعلق بالحدّ من نفوذ إيران في المضيق. ومن هنا، يمكن فهم حديث وسائل إعلام عدّة عن أن ترامب تراجع عن تهديداته على خلفية تمنّع المملكة عن السماح للأميركيين باستخدام أراضيها ومجالها الجوي في إطار «مشروع الحرية»، وأن المكالمة بين ترامب وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فشلت في حلّ القضية، ما أدّى إلى إلغاء العملية. وكان ترامب اكتفى بالإعلان، لدى إيقاف المشروع، أن «الدول الأخرى تعتقد أن تعليق العملية البحرية من شأنه أن يعزّز العملية الدبلوماسية بشكل أكبر».
على أنه وبعيداً عن خطر استئناف الحرب، كان التشكيك في إمكانية نجاح مشروع ترامب واضحاً منذ الساعات الأولى التي تلت الإعلان عنه، إذ نقلت شبكة «سي أن بي سي» عن جينيفر كافاناغ، مديرة التحليل العسكري في «مؤسسة أولويات الدفاع»، قولها إن العملية «ليست حلّاً على الإطلاق»، وإنها «لا تعالج المشكلة الأساسية هنا، التي هي أن عدم اليقين بشأن سلامة العبور يعني أن قباطنة السفن وشركات الشحن متردّدون في المخاطرة». وفي الاتجاه نفسه، استبعد جاك كينيدي، رئيس «قسم المخاطر في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في «S&P Global Market Intelligence»، في حديث إلى الشبكة نفسها، «أن يكون مشروع الحرية حلاً حاسماً تماماً لانعدام الأمن البحري في الخليج»، بل رجّح أن يكون «تجربة ردع محدودة وعالية المخاطر».

بالتوازي، نشر «مجلس العلاقات الخارجية» تقريراً جاء فيه أن محاولة فتح مضيق هرمز بالقوة يمكن أن تعيد إشعال الصراع الأوسع، وتعرّض السفن الحربية الأميركية لهجمات إيرانية في ممرّ مائي ضيّق مع القليل من الوقت للردّ، مشيراً إلى أن هذا من شأنه أن يجعل «مشروع الحرية»، مع ما يقترن به من تعهّدات غامضة بالمساعدة العسكرية إنما من دون الإعلان عن عمليات فعلية، «مجرّد إجراء مرتجل آخر في صراع يتأرجح من خطوة إلى أخرى»، مضيفاً أنه ما دامت إيران قادرة على مهاجمة السفن التجارية، فلن «يخاطر سوى عدد قليل من خطوط الشحن بمواجهة التحدّي». وبحسب المصدر نفسه، عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضدّ إيران في 28 شباط، بدا ترامب واثقاً من أن اغتيال آية الله علي خامنئي سوف يؤدّي إلى الإطاحة بالنظام، حتى إنه طالب طهران «بالاستسلام غير المشروط»، وأعرب عن ثقته في أن الحرب سوف تنتهي خلال «أربعة إلى خمسة أسابيع». على أنه وبعد مرور أكثر من شهرين، يُعدّ «جهده الأخير» مثالاً آخر على أن الحرب لم تَسِر كما كان يأمل؛ إذ لم تتمّ الإطاحة بالنظام الإيراني، فيما أدّى اغتيال خامنئي إلى ظهور مجموعة «من جنرالات الحرس الثوري الإسلامي المتشدّدين الذين ليست لديهم مصلحة في تحقيق مطالب الولايات المتحدة بالتخلّي عن البرنامج النووي الإيراني»، أو البرنامج الصاروخي، أو دعم الحلفاء الإقليميين.

كذلك، وفيما يبدو أن ترامب يرى أن الحصار هو «الرصاصة السحرية» التي سوف تجبر إيران في النهاية على الركوع، فإن ثقة ساكن البيت الأبيض في قوة هذا الإجراء تستند إلى توقّعات «متفائلة بشكل مفرط» بأن قدرة إيران على تخزين النفط الذي لا تستطيع تصديره، سوف تنفد قريباً، وأنها إذا حاولت إغلاق الآبار، فإنها سوف تلحق ضرراً دائماً بالبنية التحتية لإنتاجها. على أن معظم خبراء الطاقة يشكّكون في هذه الادّعاءات؛ إذ كتب روبن ميلز، خبير صناعة النفط، مثلاً، لـ«مركز سياسة الطاقة العالمية» في جامعة كولومبيا، أن «الحصار الأميركي لصادرات النفط الإيرانية لن يسبّب أضراراً كارثية، أو حتى خطيرة للغاية، لصناعة النفط الإيرانية عند المنبع»، مشيراً إلى أنه «إذا تمّ تخفيف الحصار، فمن المحتمل أن تتمكّن إيران من استئناف الإنتاج على الفور بنسبة 70% تقريباً، واستعادة معظم طاقتها قبل الحرب في غضون بضعة أشهر».

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img