spot_img
spot_img
الرئيسيةاقتصادالحاكم يقاتل من أجل الصلاحيات.. لا الإصلاح!

الحاكم يقاتل من أجل الصلاحيات.. لا الإصلاح!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| محمد وهبة |

بعد كلّ هذه السنوات على الانهيار المصرفي، ما زال النقاش محصوراً بآليات قانونية وإدارية للتعامل مع إفلاس المصارف بعيداً عن توزيع الخسائر والمسؤوليات. والجهات المعنية بهذا الملف، متعدّدة، ومُشتّتة، يستند بعضها إلى قواعد صندوق النقد الدولي، فيما يسير آخرون وفق مصالح ضيّقة. لكل منهم أهدافه، لكن ليست لأيّ منهم رؤية تنقل لبنان من إدارة الأزمة إلى التعافي

بعد أكثر من ست سنوات من النقاشات المُحتدمة بشأن أدوات التعامل مع إفلاس المصارف، اتُّفق على صيغة تهدف إلى فصله عن «الانتظام المالي» أو عن «توزيع الخسائر» وفق قاعدة توزيع الصلاحيات على الطوائف إلى جانب مراعاة التقاطعات المتّصلة بمصالح المصارف والقوى السياسية.

فأقرّ مجلس النواب القانون في 14 آب 2025. لكن ما بدا أنه اتفاق، ولو على مضض بالنسبة إلى بعض الأطراف، سرعان ما تحوّل إلى مادة للسجال، بسبب التعديلات التي طلبها صندوق النقد الدولي في اليوم التالي على إقرار القانون وبسبب الاعتراضات على التعديلات المُقترحة من الحاكم. ومن أحدث فصول هذا السجال، ما حصل في جلسة إقرار التعديلات التي عُقدت في 30 نيسان الماضي، إذ تبيّن أن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يسعى إلى تعديلات لم يوافق عليها صندوق النقد بشأن المادتين 3 و13 اللتين يرى فيهما تطويقاً لصلاحيات مُعطاة له حصراً.

لم يكن إقرار قانون «إصلاح وضع المصارف» في 14 آب 2025، مسألة سهلة. فالصيغة التي اتُّفق عليها وأُقرّت، هي خلاصة نسخ متعدّدة نوقشت في ثلاث حكومات منذ التوقّف عن الدفع في آذار 2020، إلى جانب فترات من الفراغ الدستوري وتصريف الأعمال وفترة الانتخابات النيابية أيضاً.

تطوّر النقاش في هذه النسخ من صيغة تجمع بين تحديد وتوزيع الخسائر والمسؤوليات مع آليات التعامل مع المصارف وتصنيفها، إلى الصيغة التي أُقرّت وهي محصورة بآليات تقييم أوضاع المصارف وإصلاحها أو تصفيتها. وخُصّص لهذه الأخيرة، أهداف وقواعد عمل، أعيد بموجبها تكوين الهيئة المصرفية العليا لتصبح عبارة عن غرفتين، الثانية منها تختص بالمسائل الأهم وتبتّ في أوضاع المصارف وفيها أيضاً مصير الدعاوى المرفوعة على المصارف وطرق الطعن في قرارات الغرفة الثانية… باختصار كل ما يتعلّق بتوزيع المسؤوليات القانونية. ولاعتبارات لا يمكن تفسيرها سوى تهرّب المصارف من مسؤولياتها، تقرّر إعداد صيغة منفصلة لتوزيع الخسائر تحت مُسمّى «قانون الانتظام المالي».

وافق صندوق النقد الدولي على هذا الفصل بعد إرسال سلسلة من الملاحظات النقدية على مُسوّدات قانون إصلاح المصارف. ولكنه لم يكتفِ بذلك، بل أرسل ملاحظات تشمل أكثر من 25 تعديلاً فور إقرار القانون في مجلس النواب. وهو ما أثار استياء واسعاً بين النواب الذين رأوا في هذه الملاحظات المُرسلة بشكل غير رسمي، تدخّلاً غير مسبوق سبق أن حصل في التعديلات المتعلّقة بقانون السرية المصرفية.

طُلب من الصندوق إرسال ملاحظات مختومة منه، لكنّ الجواب أتى بالرفض. إلّا أن هذه المشكلة لم تكن هي الأساس، ففي المضمون، تمّت هندسة القانون ليحفظ توازنات طائفيَّةِ تركيبة الغرفة الثانية، وليحافظ أيضاً على مصالح المصارف، ولا سيما مع إدخال مادة تجيز للهيئات الاقتصادية اختيار مرشّحين لعضوية الغرفة من بين الخبراء الاقتصاديين.

رغم ذلك، لم يكن النقاش بين الصندوق والجهات المعنية في لبنان، بشأن هذه التوازنات أو المصالح، بل كان الهدف المقصود من الصندوق، تثبيت قدرة القوى السياسية في لبنان على تجاوز هذه المصالح من خلال غالبية التعديلات. وهو أمر لم ينل إعجاب حاكم مصرف لبنان كريم سعيد الذي لم يكن يرغب أصلاً أن تكون للصندوق علاقة مع لبنان على مستوى القطاع المالي الذي يقع تحت وصاية مصرف لبنان المباشرة.

ظلّ النقاش مُحتدماً حتى انعقاد اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن أخيراً. الحاكم لم يحضر الاجتماعات بل أوفد أحد نوابه ضمن وفد لبناني، قيل إنه مختصر، برئاسة وزير المال ياسين جابر إلى جانب وزير الاقتصاد عامر البساط ووزراء آخرين، ومستشارين لرئاسة الجمهورية أيضاً من بينهم المصرفي نقولا شماس (الذي اشتهر أيام الانتفاضة بأبو رخوصة). وعاد الود ظافراً، بأن الصندوق وافق على التعديلات المُتّفق عليها بين كل الأطراف اللبنانية المعنية (وزير المال، حاكم مصرف لبنان، وزير الاقتصاد مُمثِّلاً لرئيس الحكومة).

فجأة، تبيّن أنّ حاكم مصرف لبنان كريم سعيد راسل وزارة المال عدّة مرّات مُذكِّراً بملاحظاته التي تشمل المادتين 3 و13 في ضوء اعتراض صندوق النقد عليهما. وهو لم يكتفِ بذلك، بل أبلغ رئيسَي الجمهورية والحكومة باعتراضاته، إذ كشف عنها بشكل واضح في جلسة مجلس الوزراء التي أقرّت التعديلات في 30 نيسان الماضي.

وتذرّع بأن المادة الثالثة تتعدّى على صلاحياته الواردة في المادة 70 من قانون النقد والتسليف. المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف تشير إلى أهداف القانون: «تعزيز استقرار النظام المالي، معالجة حالات التعثّر، حماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أيّ مصرف مُتعثِّر». لكنّ سعيد، تمسّك بحقّه الوارد في المادة 70 من قانون النقد والتسليف التي تشير إلى أن مهماته هي حفظ الاستقرار النقدي والاقتصادي والمصرفي، وبالتالي فإن في المادة الثالثة تعدّياً على قانون النقد والتسليف.

أيضاً بالنسبة إلى المادة الـ13، اعترض سعيد على صلاحيات الغرفة الثانية التي يرأسها الحاكم، وآلية اتخاذ القرارات فيها. هو يريد شطب صلاحية الغرفة الثانية باتخاذ القرارات، وحصرها بالحاكم. وصل النقاش معه إلى منح الصلاحية لثلثي أعضاء الغرفة التسعة ومن ضمنهم هو ونائبان له، غير أن هذه الصيغة لم تكن على قدر رغباته التي لم يؤخذ فيها في جلسة مجلس الوزراء التي أقرّت التعديلات على القانون.

المشكلة في الأمر، أن هذا القانون هو أصلاً مُتاح من خلال عدّة قوانين صادرة تتعلّق بإصلاح المصارف وأصول تصفيتها ومعاقبتها، وهو قانون يكاد يكون لزوم ما لا يلزم لأن الأساس في كل هذه العملية هو القانون المتعلّق بتوزيع الخسائر الذي يبدو أن لا اتفاق عليه حتى الآن، لا بين الأطراف المحلية، ولا بينها وبين صندوق النقد الدولي. تراتبية توزيع الخسائر، أي إن الخسائر تصيب رأس المال أولاً ثم تصل إلى المودعين، هي الأساس بالنسبة إلى صندوق النقد، بينما يعتقد سعيد أنه يجب شطب نحو 12 مليار دولار (كانت تقديراته السابقة تفوق 20 مليار دولار) ممّا يُسمى «أصولاً غير منتظمة» قبل البدء بشطب الرساميل.

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img