
في الداخل اللبناني، سيحاول البعض تلقائياً التعامل مع أي وقف للنار أو تفاوض باعتباره موضع شبهة أو إحراجاً أو ضعفاً. لكن القراءة المسؤولة تقول العكس تماماً. فلبنان الذي دفع أثماناً بشرية واقتصادية وأمنية باهظة، لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى تبريد الجبهة، حماية المدنيين، وقف التدمير، وفتح الباب أمام معالجة سياسية تحفظ ما تبقّى من مقومات الدولة. لهذا بدا الترحيب الرسمي اللبناني بالتطورات منسجماً مع مصلحة وطنية واضحة، إذ رحّب رئيس الحكومة نواف سلام بإعلان وقف النار، كما صدرت مواقف دولية مرحّبة من الاتحاد الأوروبي والسعودية، مع تشديد واضح على دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه وتثمين الدور الإيجابي الذي أدّاه عون، إلى جانب الرئيس نبيه بري ورئيس الحكومة. هذه المظلّة السياسية العربية والدولية ترفع من قيمة المسار التفاوضي، وتُسقط عنه صفة المغامرة، لتجعله أقرب إلى فرصة إنقاذ من الانهيار الأمني المفتوح.
بين الهدنة والتفاوض… الفرصة التي لا يجوز إحراقها
وقال مرجع سياسي بارز لـ«الجمهورية»: «صحيح أنّ وقف النار المعلن ما زال موقتاً، وصحيح أنّ إسرائيل لا تزال تربطه بحساباتها الأمنية وتتعامل معه بوصفه مساحة اختبار لا تسوية نهائية، لكن الصحيح أيضاً أنّ لبنان لا يملك ترف رفض أي نافذة تخفّف النار وتفتح الباب أمام مفاوضات أوسع. فالتفاوض هنا ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة دولة. والرهان الفعلي يجب أن يكون على تحويل الأيام العشرة إلى مدخلٍ لترتيب أشمل: تثبيت الهدوء، حماية المدنيين، تحريك القنوات السياسية، وفرض حضور الدولة اللبنانية بوصفها الجهة الوحيدة المخوّلة الكلام باسم لبنان. وإذا كان ترامب قد وضع ثقله الشخصي خلف هذا المسار، وإذا كانت عواصم عربية وأوروبية سارعت إلى احتضانه، فإنّ المسؤولية اللبنانية تصبح مضاعفة في عدم تبديد هذه اللحظة».













