| سوسن صفا |
ليس الحنين إلى الأرض مجرد عاطفة رقيقة، بل هو خيط خفي يربطنا بالجذور الأولى. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية فحسب، بل هي ذاكرة متراكمة من رائحة المطر، ووجوه الناس، وملامح الأيام التي صنعتنا.
هو حالة عميقة تسكن الروح، وتتشبث بتفاصيل الذاكرة كما تتشبث الجذور بترابها.
هو ذاك الإحساس الذي يتسلل إلى القلب في لحظات الصمت، فيعلو صوت الداخل محتاجًا إلى مكان لم يكن مجرد جغرافيا، بل كان جزءًا من الهوية.
هو الحنين إلى الطفولة، إلى البراءة، إلى البساطة، إلى سماء كانت أقرب، وشمس كانت أدفأ.
وكأن القلب يعيش بين زمنين: حاضر يفرض نفسه، وماضٍ يرفض أن يبتعد.
هو الحنين إلى طعام يشبه طعام البيت، وهو الوفاء للجذور، للتاريخ، لمن كانوا قبلنا ومشوا على التراب نفسه.
أما الاقتلاع، فهو اللحظة التي تصبح فيها حياتك “قبل” و”بعد”، وبعدها يصبح الحلم اللغة الوحيدة التي تتقنها،
ويصبح الحمل ثقيلاً.
أما الوطن الذي يضيق بأبنائه، فهو جرح آخر أكثر وجعًا.
أن تشعر أن المكان الذي يفترض أن يتسع لك لم يعد قادرًا على احتوائك. أن تضيق المساحة، وتُغلق الأبواب، وتصبح الحياة فيه معركة يومية من أجل البقاء.
هو وطن لا يطردك صراحة، لكنه يدفعك ببطء إلى الرحيل.
في هذا النوع من الأوطان، لا تكون الغربة دائمًا خلف الحدود، بل تبدأ من داخلها، وهنا تكتمل المأساة.
اقتلاع قسري بسبب الحرب، واقتلاع بطيء بسبب ضيق الوطن. كلاهما يتركك معلقًا بين مكانين: مكان لا تستطيع العودة إليه، ومكان لن يصبح لك أبدًا.
تمشي في الشوارع التي تعرفها جيدًا، دون أن تشعر بأنها تعرفك. وتصبح المسافات النفسية أوسع من حدود الجغرافيا نفسها.
وهنا لا يكون الوطن مفقودًا بالكامل، بل يصبح مشوَّهًا، غير قادر على احتضان أبنائه كما كان.
فالوطن يضيق بأبنائه حين تغيب العدالة، وتضعف المؤسسات، وتُغلق الأبواب.
ومن هذا الواقع، يصبح السؤال: ماذا نريد من الوطن بعد أن تنتهي الحرب؟
وأي وطن يمكن أن ينهض وأبناؤه يشعرون بالظلم والتهميش؟
وما هو الانتماء؟
بين الحنين والاقتلاع، كيف نعيد معنى الوطن بعد الحرب؟














