| روان فوعاني |
حرب، تهجير، نزوح، قصف، وعائلات تفترش الطرقات… وزارة التربية من كوكب زحل: “التعليم عن بُعد مستمر”.
في مشهد تختلط فيه المأساة بالدهشة، يُطرح السؤال الأوضح: كيف يمكن الحديث عن تعليم افتراضي، في واقع يفتقر إلى أبسط مقوّمات الحياة؟
في أوقات الأزمات، تُقاس السياسات بمدى إنسانيتها قبل أيّ اعتبار. وفي لبنان اليوم، حيث آلاف العائلات نزحت قسراً من منازلها تحت وطأة العدوان، يبرز مشهد مؤلم يكشف فجوة واضحة بين الواقع المعيشي والقرارات المتّخذة: طلاب وأساتذة بلا استقرار، يُطلب منهم الاستمرار في التعليم عن بُعد وكأنّ شيئاً لم يكن.
لا يبدو التعليم الإلكتروني وسيلة دعم، بل عبئاً إضافياً يُفرض على من هم أساساً مثقلون بالأعباء. فكيف يمكن لطالب أن يلتزم بحصص افتراضية، وهو لا يملك اتصالاً مستقراً بالإنترنت؟ وكيف لعائلة بالكاد تؤمّن حاجاتها الأساسية، أن توفّر أجهزةً أو حتى رصيداً بسيطاً لمتابعة الدروس؟
المشكلة لا تتوقف عند حدود التقنية، بل تتجاوزها إلى واقعٍ أكثر قسوة. فهناك عائلات لا تزال في الطرقات، تبحث عن مأوى، أو تعيش في مراكز إيواء مكتظّة تفتقر إلى أدنى مقوّمات الخصوصية والراحة، فيما تصلها إشعارات بمواعيد حصص دراسية، وتسليم واجبات، والمشاركة في صفوف افتراضية.
هذا المشهد لا يعكس حرصاً على التعليم بقدر ما يكشف خللاً في ترتيب الأولويات، وانفصالاً واضحاً بين صانع القرار ومعاناة الناس. فالتعليم، رغم أهميته، لا يمكن فصله عن الظروف المحيطة به، ولا يمكن فرضه بمعزلٍ عن القدرة الفعلية على متابعته.
المطلوب اليوم ليس إلغاء التعليم، بل إعادة النظر في آلياته بما يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية. المطلوب هو خطط مرنة، ودعم حقيقي للطلاب والأساتذة النازحين، ومقاربة تضع الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
وقالت الطالبة فاطمة فوعاني بحديث خاص لموقع “الجريدة”: “بصراحة، ما عم نعرف نركّز على الدرس، نحنا تركنا بيوتنا وكل شي ورا ضهرنا، أوقات ما في كهربا، وأوقات ما في إنترنت، وحتى لو في… ما في نفس نفتح كتاب، عم يطلبوا منا نحضر حصص ونسلّم واجبات، بس نحنا أساسًا عم نحاول نتأقلم مع الوضع ونفهم شو عم بصير حوالينا”.
كما وكتبت المعلمة مهى شحادي عبر صفحتها على “فايسبوك”، تعليقاً على رسالة من المدرسة مرفقة بـ “لينك” للدخول إلى تطبيق “تيمز” الخاص بها: “لمل تكون استاذ نازح و توصلك مسج الساعة 11:30 من الوزارة! عزيزتي الوزارة، الأساتذة بالشوارع وتحت القصف، بس تكرم عينكن: اللينك جاهز، بس ناقصنا ‘راوتر’ من عند اليونيسيف وكابل كهرباء واصل من القصر لعند أقرب رصيف. معليش إذا سمعتوا صوت القصف بالخلفية؟ هيدا الـ Soundtrack تبع الحصّة”.
في النهاية، لا يمكن مطالبة إنسان فقد الأمان بأن يلتزم بجدول، ولا لطالب مشرّد أن يركّز في شاشة، ولا لأستاذ منهك أن يُقنع نفسه بأنّ ما يحدث أمر طبيعي.
الإصرار على الاستمرار وكأنّ شيئًا لم يكن، لا يُنقذ التعليم، بل يُفرغه من معناه.














