| جورج علم |
يرفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبقوة، أن “تزجّ فرنسا أنفها بلبنان، وفي هذا التوقيت بالذات”.
ويرفض أي دور أوروبي، حتى لو كان بريطانياً أو ألمانياً.
بالكاد يسمح بإيصال المساعدات. والتعريف الدقيق للكلمة هو “غضّ الطرف” عن المساعدات ـ إذا ما توافرت ـ بالوصول إلى بيروت.
ويذهب بعض الإعلام الأميركي إلى حد القول إنه رفض، في الآونة الأخيرة، الرد على اتصال من الرئيس إيمانويل ماكرون. حتى إن القنوات الدبلوماسية المفتوحة بين البلدين تعاني في هذه المرحلة من “برودة”.
ماذا يريد الرئيس ترامب تحديداً؟
للإجابة، يجب الذهاب إلى مواقع الدراسات الأميركية التي تتابع المستجدات في الشرق الأوسط عن كثب.
هناك أولويات تشغل الرئيس ودائرته المقرّبة.
الأولى: نهاية الحرب مع إيران. كيف يجب أن تتم؟ ما هي الصيغ المعقولة والمقبولة؟ ما هي الأهداف التي تحققت، وتلك التي لم تتحقق بعد؟ وما هو السيناريو المطلوب إخراجه، والذي يعود بأفضل النتائج على الداخل الأميركي، ويكتسح غالبية الأصوات لمصلحة الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المرتقبة في الخريف؟
الثانية: إلى أي مدى يخدم اتفاق وقف إطلاق النار، في حال التوصل إليه مع طهران، المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في الشرق الأوسط، والذي تمّ التفاهم بشأنه بين الرئيس ترامب ورئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو خلال القمم السبع التي عقدت بينهما منذ وصول الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض، وكان آخرها منتصف شباط الماضي، وقبل أيام من بدء الهجوم على إيران؟
الثالثة: احتساب التداعيات على دور أميركا في العالم، وصورتها ومصداقيتها. وكيف ستكون العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي التي دفعت أثماناً باهظة نتيجة هذه الحرب؟ ومستقبل العلاقة بينها وبين إيران؟
إن “الزلزال” المتمادي لا يمكن معالجة تداعياته على قاعدة “عفا الله عمّا مضى”، بل هناك أثمان يجب أن تُدفع في السياسة، والأمن، والاقتصاد، والعلاقات، والتحالفات…
الرابعة: أين ترامب من خطته حول غزة؟ وأين هو من “مجلس السلام”؟ وهل لا يزال من استمرارية للمرحلة الثانية من هذه الخطة، أم يفترض إعادة تعويمها من جديد، وطبقاً لنظرة جديدة تفرضها الوقائع الميدانية على الأرض، كنتيجة حتمية للحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية؟
الخامسة: كيف سيعتدل ميزان العلاقات الأميركية مع كل من روسيا والصين والهند ومجموعة “الدول السبع”، بعد وقف العصف التدميري في الشرق الأوسط؟ وما ستكون عليه إمدادات الطاقة، وأسعار النفط هبوطاً وصعوداً، والتداعيات المحتملة على الأسواق الاستهلاكية؟
ماذا عن لبنان؟
بصريح العبارة: لبنان ليس أولوية عند الرئيس الأميركي، وحتى إشعار آخر.
والحجة هنا حجتان:
الأولى: أن “القبائل” اللبنانية غير متفاهمة بعد حول أي لبنان تريد.
الثانية: أن اللبناني يحمل أكثر من جواز سفر، ومتعدد الولاءات، والبعض يبدّي ولاءه للخارج على ولائه للوطن.
إضافة إلى ذلك، تأتي أولوية لبنان، من منظار الرئيس ترامب، بعد أولوية إيران.
وفي ضوء ما تفضي إليه الأمور، يُنظر إلى الوضع اللبناني في ضوء ما سيكون عليه الوضع مع إيران: كيف سيكون “المخرج”، وشكله، ومضمونه؟ وهل من “صفقة” فعلاً، أم أن التطورات قد تؤدي إلى أمر واقع يحاكي الاستسلام؟
وعطفاً على تقارير أميركية حديثة تحت عنوان “اليوم التالي في الشرق الأوسط”، هناك بعض التباين في وجهات النظر. ترامب يريد لبنان خالياً من الوجود والنفوذ الإيرانيين، مع التمسك بوحدة أرضه ومؤسساته.
في حين أن نتنياهو يغتنم الفرصة المتاحة لتحقيق أطماع خمسة:
1 ـ فرض أمر واقع على مساحة الـ10452 كيلومتراً مربعاً، عن طريق الاحتلال أو التدمير الممنهج. وقد هدد وزير ماليته بتحويل لبنان إلى “خان يونس”.
2 ـ ربط المسار اللبناني بالمسار السوري.
هناك، حتى الآن، وضعيتان يريد نتنياهو تحويلهما إلى وضعية واحدة كي يتعاطى معها وفق خطة محددة الأهداف. وهذا ما يحمله على الضغط على الرئيس السوري أحمد الشرع كي يتخلّى عن “حياديته”، ويحرك جيشه باتجاه الأراضي اللبنانية انطلاقاً من الحدود الشرقية. فهل يسمح الرئيس ترامب بمثل هذا الاجتياح؟
الحقيقة أنه لا توجد معلومات مؤكدة، سوى أن توم برّاك متناغم بقوة مع طموحات نتنياهو، ويدفع في هذا الاتجاه.
3 ـ قد يُفتح باب للحوار في مكان ما، لكنه حوار “مضيعة للوقت” و”إملاء للشروط”، طالما أن الظرف المحلي ـ الإقليمي غير مؤات، والدعم الأميركي غير متوافر.
هناك تفاهم بين نتنياهو وترامب بأن لبنان ليس أولوية في هذا الظرف، وقد يصبح كذلك بعد طيّ الملف الإيراني.
إن النفط والغاز والأمن و”ريفييرا الجنوب” والتكامل الاقتصادي وفتح بوابات العبور.. هي أولويات عند نتنياهو في أي مفاوضات مستقبلية مع لبنان.
4 ـ إن السلة اللبنانية التي تحوي اتفاقية الهدنة، والقرار 1701، والتقيد باتفاق وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات، والانسحابات، والإفراج عن الأسرى، “معلّقة على شجرة التوت إلى أن يحلّ موسم الحرير”. بمعنى أن ما يُعتبر أولويات لبنانية لا يُعتبر أولويات إسرائيلية، ذلك أن لتل أبيب أهدافاً أخرى مختلفة. فإذا ما تجاوب معها لبنان، فإن بعض أولوياته قد تأخذ طريقها نحو التنفيذ، وإلا..
5 ـ يتفق نتنياهو مع العديد من رؤساء الدول العربية والأوروبية حول وجود صراع لبناني داخلي بين من يريد مشروع الدولة، ومن يريد أن يختزل الدولة والوطن بمشروعه.
وفي ظل هذا النقص في المناعة الوطنية، وهذه الهوة العميقة التي تباعد بين اللبنانيين، يحاول كثيرون الاصطياد في المياه اللبنانية العكرة، وفي الطليعة نتنياهو ومشروعه حول “إسرائيل الكبرى” في “الشرق الأوسط الجديد”.














