| جورج علم |
يضجّ الفضاء الإعلامي الرسمي بالانتخابات.
المتحصّنون بمراتب السلطة ودوائر القرار يصرّون على إجرائها. هي، من حيث المبدأ، استحقاق دستوري. لكنها في لبنان استحقاق “عشوائي”! والعشوائية قد تُحدث ضجيجًا هائلًا، لكنها لا تقدّم طحينًا، ولا تخبز رغيفًا.
وفي بلاد “كلّ من إيدو إلو”، عشوائيات “عا مدّ عينك والنظر!”، كان آخرها “البدعة” التي خرج بها مجلس الوزراء عندما قرّر خنق الناس معيشيًا واقتصاديًا لتغطية زيادة الرواتب.
ونقرأ في سرديات وزير الإعلام ما يلي: “2370 مرسومًا، و1100 قرار، و50 جلسة لمجلس الوزراء (قبل الأخيرة)، وزيارات رسمية بالعشرات… والنتيجة: مكانك راوح”!
ماذا تغيّر؟
لا شيء… سوى اتساع شعبية “حزب النَّق”، وكثرة “النقّاقين” حتى في صفوف السلطة.
هذا الاستحقاق الدستوري الذي إسمه “انتخابات”، وردت تنظيرات تحسينه وتطويره في خطاب القسم والبيان الوزاري لحكومة “قاضي القضاة” نواف سلام. وبعد نيّف سنة، ومع اقتراب “موعد الفرز وموسم العز”، يعاني اللبنانيون خيبات أمل. فلا قانون جديد يحاكي روح العصر ويفعّل الورشة الديمقراطية نحو الأفضل، ولا بطاقة انتخابية ممغنطة، ولا ضمانة دستورية للمغترب تحفظ له حقّه في الاقتراع والاختيار، وهو الذي يدعم صمود الوطن بماله وعرق جبينه. ولا حسم واضحاً للثغرات التي تعتري القانون الأعور، بل خليط من العشوائيات والتنظيرات التي تضخّها الكيديات لتحسين “كوتا” المحاصصات، فيما النتيجة المستخلصة من مصادر القرار: الانتخابات حتمًا!
إلا أن الوقائع تشير، حتى الآن، إلى أنه لا انتخابات.. ولا “حتمًا”! وأن القرار ليس في لبنان، بل عند اللاعبين في الميدان، الذين يتحكّمون بيومياتنا وصباحاتنا ومسائياتنا ومقدّراتنا ومصيرنا ومستقبلنا.
حتى ولو صدقت الوعود، وأصبح الفول في المكيول، وجرت الانتخابات وفق القانون المشوَّه، فإنها مرشّحة للطعن، بل لأكثر من طعن في صدقها ومصداقيتها، نظرًا لكثرة الشوائب والعيوب التي تعتري العباءة القانونية ـ الدستورية التي حِيكَت كي تشارك “الشعوب اللبنانية” في “الكرنفال”، وتختار طاقمًا جديدًا من الممثلين على مسرح “الديمقراطية التوافقية”.
ولنترك “مكّة لأهلها” لأنهم “الأدرى بشعابها”، ونتطلّع إلى الخارج لنُعَاين كم من المسامير المهيّأة لتأخذ مكانها في نعش الاستحقاق عندما يحين الوقت.
غالبية الدول الشقيقة والصديقة تقول، في السرّ والعلن: “إن لم تكن الانتخابات تغييرية، فلا جدوى من إجرائها. وإن لم تأتِ بديناميكية برلمانية مؤمنة بالإصلاحات التي تحدّث عنها خطاب القسم والبيان الوزاري، فلا جدوى من القرقعة في صحن الاستحقاق، لأن القرقعة لا تطهو طعامًا، ولا تسدّ جوعًا”.
ولا يمكن تجاهل المظلّة الأميركية ـ الإسرائيلية التي تخيّم فوق “قاطرة الاستحقاق”. وليس من موقف رسمي أميركي صريح، حتى الساعة، حول مسارها ومصيرها. لكن ما هو متداول في وسائل الإعلام يشي بالكثير، وأوّل الكلام: “لا يمكن أن تجري انتخابات في ظلّ ولاءين، وتوجّهين، وخطابين، وخيارين في المفاضلة بين دولة ودويلة”.
ولا يمكن، من وجهة نظر الإدارة الأميركية، لحزب صنّفته إرهابيًا أن يكون شريكًا في السلطة، ومتمكّنًا من فرض “الكوتا” التي يريدها في مجلس النواب.
ولا يمكن للتحالفات التي فرضت إيقاعها على الحياة السياسية ما قبل “طوفان الأقصى” و”حرب الإسناد” أن تستمرّ كما كانت، وكأن شيئًا لم يحصل، ولم يتشظَّ لبنان، وينزف، ويفقد الكثير من حيويته السياسية والاقتصادية ومن استقراره وازدهاره.
ولا يمكن المرور على الفساد من دون محاكمة الفاسدين والتشهير بارتكاباتهم. ولا يمكن تجاهل جريمة المرفأ التي تدور منذ سنوات في حلبة التجاهل والتستّر والسعي إلى إدراج ملفّها في ذاكرة النسيان. ولا يمكن التغاضي عن جريمة نهب أموال المودعين، وانهيار القطاع المالي والمصرفي، والتلاعب برغيف المواطن، ودفع الطاقات الشابة نحو الهجرة، من دون أن يكون أحد وراء قضبان العدالة، أو أن تجري أي محاسبة لأي مقترف.
إن ما يجري من تحايل على صعيد الداخل لا يليق بالاستحقاق الانتخابي، ولا يتعاطى معه كخيار ديمقراطي تغييري يُحدث انقلابًا سلميًا على الحال التي بلغها لبنان، وعلى كل من ساهم في نهبه وإضعافه وتركه رهينة بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني.
ما يجري إنما هو محاولة لتمرير هذا الاستحقاق “بالتي هي أحسن”، و”كيفما جاءت حليمة قلّ لها عظيمة”، وذلك للحفاظ على الشكليات تحت شعار احترام الدستور والاستحقاقات الدستورية، وعدم حصول أي انتكاسة تعيب الأداء مع بداية العهد، وحرصًا على الهالة والمعنويات. في حين أن “العشوائيات” لا تحصّن حكومات، ولا تحفظ كيانات. والدليل هو النزف المستمر والجرح المفتوح من الجنوب إلى البقاع، إلى كل لبنان، نتيجة الأبواب المشرّعة والسماء المكشوفة أمام العدوان الإسرائيلي شبه اليومي، وقد تحوّل إلى ما يشبه “القضاء والقدر” في ظلّ الانقسام العمودي الداخلي حول أي لبنان: هل هو لبنان “هانوي”، أم لبنان “هونغ كونغ”؟
وفي زمن التلاعب بخرائط الشرق الأوسط، واستباحة دوله وسياداته الوطنية بهدف صياغة “شرق أوسط جديد” وفق الهندسة الأميركية والمطرقة الإسرائيلية..
يبقى سؤال يتيم: أين الجنوب من هذا الاستحقاق؟ وهل إن انتخابات عشوائية قائمة على “الخلط” بين منطق الدولة والدويلة قادرة على الارتقاء إلى مستوى التحديات المصيرية التي يواجهها الجنوب ـ واستطرادًا الكيان؟ وهل تفرز مجلسًا نيابيًا يستطيع استرجاع السيادة الوطنية، وهو العليل المفخّخ بألف لغم ولغم داخلي نتيجة تضارب المصالح الفئوية، وفي ظل نظام طائفي ولّاد أحقاد وضغائن؟













