
| زينب بزي |
وافق مجلس الوزراء في الجلسة التي انعقدت في مطلع الشهر الجاري، على تمديد العمل باستيفاء الرسم الجمركي المقطوع بنسبة 3% على المستوردات الخاضعة لضريبة القيمة المضافة، في إطار «سياسة» رفد الخزينة بإيرادات إضافية تكرّس الاعتماد على الضرائب غير المباشرة كمصدر أساسي للإيرادات وترفع الأسعار الداخلية، لا في إطار سياسة اقتصادية ترمي إلى الحدّ من الاستيراد الذي يستنزف العملات الأجنبية من لبنان.
تُظهر عمليات الخزينة في وزارة المال، أنّ إيرادات الرسم المقطوع بنسبة 3% على المستوردات ازدادت من 11,772 ألف مليار ليرة في نهاية تشرين الثاني 2024 إلى 17,271 ألف مليار ليرة في المدة نفسها من 2025، أي بزيادة نسبتها 47%. يعكس هذا الارتفاع توسّعاً في حجم الاستيراد نفسه، إذ تُشير الأرقام الإجمالية لإيرادات الاستيراد (الجمارك، وضريبة القيمة المضافة على الاستيراد، والرسم المقطوع) إلى زيادة نسبتها 17% بين العامين.
وبذلك، لا يُمكن قراءة نمو إيرادات رسم الـ3% بوصفه مؤشّراً على فعالية اقتصادية في حماية الإنتاج المحلي أو تحوّلاً في بنية السوق، بل هو أداة مالية تتحفّز بزيادة الاستيراد ومرتبطاً أكثر بالنموذج القائم على الاستهلاك. بمعنى آخر، هذه الأرقام نابعة من عقل أولوياته الجباية لتحسين المؤشرات المالية بدلاً من توظيف الضرائب وأدواتها في خدمة الاقتصاد.
ويرى رئيس المركز الاستشاري للدراسات عبد الحليم فضل الله، أنّ الإشكالية لا تكمن في رسم الـ3% بحد ذاته، بل في غياب إطار ضريبي متكامل في لبنان. فبحسب فضل الله، يفترض بأي سياسة ضريبية أن تقوم على ثلاثة أهداف مترابطة: هدف مالي يتمثّل في تأمين موارد الدولة، وهدف اقتصادي يُعنى بتوجيه النشاط الاقتصادي وحماية الإنتاج وضبط الاختلالات البنيوية، وهدف اجتماعي يراعي العدالة الضريبية ويحمي الفئات الأكثر هشاشة.
غير أنّ ما يظهر في الموازنات العامة الأخيرة هو تغليب شبه كامل للهدف المالي، على حساب الهدفين الاقتصادي والاجتماعي. فأداء المالية العامة في السنوات الأخيرة يُظهر تحقيق فوائض مالية كبيرة، «وهو أمر لا يمكن قراءته بوصفه مؤشراً إيجابياً في اقتصاد يعاني انكماشاً حاداً وتراجعاً في الاستثمار والإنتاج».
والفائض، في هذه الحالة «لا يتأتى من نموّ اقتصادي أو توسّع في القاعدة الضريبية، بل من تشديد ضريبي واسع النطاق يُستخدم لامتصاص السيولة من السوق. علماً أن امتصاص السيولة من السوق ليس من مهمات السياسة المالية، بل من أدوات السياسة النقدية. إن تحويل الموازنة العامة إلى أداة تخدم أهدافاً نقدية يُعدّ خللاً جوهرياً في توزيع الأدوار»، يقول فضل الله.
إذاً، ما يحصل هو «انقلاب في الأدوار». فالهدف من الموازنة صار تحقيق فائض مالي بهدف كبح السيولة، بينما يفترض أن تكون أداة «لإدارة شؤون الدولة وتحفيز الاقتصاد». نهج كهذا يكبح النمو ويخلّف آثاراً سلبية على الاستهلاك والاستثمار، ويُعمّق الركود بدلاً من معالجته.
في المبدأ، لا يمكن معارضة رسم الـ3% إذا أخذ في الحسبان حاجات البلد وأولوياته. فبدلاً من فرض رسم شامل يطاول معظم المستوردات، يدعو فضل الله إلى توجيه الضريبة نحو سلع محدّدة، ولا سيّما تلك التي تنافس الإنتاج المحلي، مع اعتماد إعفاءات أوسع وأكثر فعالية للسلع الأساسية والمواد التي تشكّل جزءاً أساسياً من استهلاك الأسر المتوسطة وذات الدخل المحدود.
عملياً، الارتفاع الكبير في الاستيراد «يعيد إنتاج النموذج الاقتصادي نفسه الذي سبق الأزمة، والقائم على الاستهلاك والاعتماد المفرط على الخارج» وفقاً لفضل الله. وهذا ما يؤدّي إلى تفاقم العجز في الميزان التجاري. كما إن «الإيرادات المتأتية من الضرائب على الاستيراد لا تُستخدم في دعم القطاعات الإنتاجية أو في سياسات تحفيزية بديلة، بل تُسحب من السوق وتُراكم كفائض، من دون أن تُسهم في تصحيح الاختلالات البنيوية» وفقاً لفضل الله.
باختصار، يرى فضل الله أنّ الضريبة على الاستيراد يجب أن تؤدي دوراً اقتصادياً واضحاً لحماية الإنتاج المحلي وضبط العجز التجاري وتمويل الدولة بتمكينها من تخفيف العبء عن الفئات الأكثر ضعفاً، أما فرضها بصيغة شاملة، كما هو حاصل اليوم، فيفرغها من أي معنى اقتصادي أو حمائي، ويحوّلها إلى أداة جباية صرفة.
في السياق نفسه، يعتقد مدير مبادرة «سياسات الغد» سامي عطالله، أنّ رسم الـ3% يُقدم كإجراء «يهدف إلى تأمين سيولة فورية للخزينة وزيادة الإيرادات»، لكنه في الوقت نفسه «يُحمّل العبء كاملاً على المستورد ويستوفى مسبقاً عند التخليص الجمركي، ما يحوّل المستورد إلى مموّل إجباري للدولة، في مخالفة لمبدأ العدالة الضريبية وعمومية التكليف». ويضيف أنّ توصيف الرسم كاقتطاع ضريبي مسبق يثير التباسات قانونية، ولا سيما لجهة كيفية تطبيقه على الجهات المعفاة، وآليات الحسم أو الاسترداد لاحقاً، في ظل غياب توضيحات رسمية كافية حول التنفيذ العملي.
ورغم أن المنتج المحلي بحاجة إلى أدوات كهذه تكون موجّهة مباشرة لحمايته من المنافسة الشرسة التي يتعرّض لها من السلع المستوردة، إلا أن الصناعيين لا يرون في رسم الـ3% المفروض بشكل عشوائي على كل السلع المستوردة مخاطر كبيرة عليهم.
فبحسب نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش، يصبّ هذا الإجراء في مصلحة القطاع الصناعي، ولا سيّما في ظل استثناء المواد الأولية الصناعية وعدد من المعدّات الأساسية من الرسم.
ويعتبر أنّ فرض الرسم على المستوردات النهائية المشابهة للإنتاج المحلي يسهم في الحدّ من المنافسة غير المتكافئة، ويخفّف من استيراد سلع يمكن تصنيعها محلياً، شرط ضبط آليات الاستيراد ومنع التحايل. غير أنّه لم تظهر مؤشرات على أنّ الهدف الحمائي يتحقّق بفعل هذا الرسم.
فقد استمرّ الاستيراد بالنموّ وواصلت الإيرادات بالزيادة من دون تسجيل توسّع في الإنتاج الصناعي أو زيادة في الاعتماد على السلع المحلية. أي إن هذا الرسم لم يحدث فرقاً اقتصادياً ملموساً، ما يبقيه إجراءً مالياً يرفع كلفة الاستيراد من دون أن يغيّر الاتجاه العام للاقتصاد أو يحدّ من العجز في الميزان التجاري.













