
| جوني منير |
ارتفعت حدّة المواقف الداخلية مع الإنتهاء من المرحلة الأولى للخطة التي وضعها الجيش اللبناني وأقرّتها الحكومة اللبنانية، والتحضّر للبدء بتنفيذ المرحلة الثانية، والتي تشمل المنطقة الممتدة ما بين شمال الليطاني وصولاً الى الأولي. وكرّر «حزب الله» موقفه الرافض أي خطة لها علاقة بشمال الليطاني، لكن الموقف الأشدّ عنفاً وقساوة جاء على لسان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، والذي استخدم تعابير غير مألوفة. ربما لأنّ المقصود بذلك الإيحاء بأنّ كل المحرّمات الأمنية ستسقط في حال تجاوز الخطة خط الليطاني.
العامل الأول، ويتعلّق بالضغوط الأميركية، والتي أصبحت أكثر وضوحاً مع وصول السفير الأميركي الجديد إلى بيروت ميشال عيسى، وهو المعروف عنه علاقته الشخصية المباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى درجة أنّ الصالونات السياسية اللبنانية تنقل عنه قوله، إنّه قادر على التواصل مع رئيسه مباشرة ومن دون المرور بالتعقيدات الإدارية. وعيسى الذي كان باشر مهمّاته وهو يحمل تصوراً عاماً، تكوّن لديه اقتناع أكثر تفصيلاً حيال الملف اللبناني، حيث أنّه يشكّك في السعي لإستهلاك الوقت والتمييع من دون تحقيق الإنجاز المطلوب. وهذا ما يمكن استنتاجه من عبارته التي يردّدها دائماً على مسمع من يلتقيهم: «نريد أفعالاً ملموسة وليس فقط مواقف إعلامية». وجاء إلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن في 18 تشرين الثاني الماضي، في سابقة هي الأولى من نوعها، لتؤشر إلى سلوك أميركي صارم حيال لبنان. وخلال جولته على المسؤولين اللبنانيين في إطار اللجنة الخماسية، كانت عبارات عيسى محدّدة ووفق أسلوب بارد. لكن اللقاء بقائد الجيش شهد نقاشاً تضمّن بعض التوتر بين السفير الأميركي وقائد الجيش، وذلك على عكس بقية أعضاء وفد الخماسية الذين غلب عليهم الهدوء. لكن أعضاء الخماسية يعرفون جيداً أنّ الجيش اللبناني ينفّذ قرارات السلطة السياسية، وهو ما يعني وجوب انتظار ما سيصدر عن الحكومة. ولذلك تشهد قنوات التواصل بين الجيش والجانب الأميركي حركة ناشطة بنحو دائم ومستمر.
صحيحٌ أنّ معاودة تحديد موعد زيارة العماد هيكل لواشنطن تعيد تصحيح الصورة إثر ما حصل في تشرين الثاني الماضي، لكن التوقيت الذي تمّ اعتماده يوحي بالكثير. فهو يستبق جلسة مجلس الوزراء التي من المفترض أن تُعقد في بداية شهر شباط المقبل، على رغم من أنّه لم يتمّ تحديد الموعد بعد. ففي هذه الجلسة من المقرر أن يعرض قائد الجيش كل ما لديه من ملفات حول جنوب الليطاني، ليتخذ مجلس الوزراء القرار المطلوب للإنتقال إلى المرحلة الثانية. وبات معروفاً أنّ واشنطن تتمسك بضرورة أن يكون القرار مقروناً ببرنامج زمني واضح ومحدّد جيداً. وهنا تصبح زيارة قائد الجيش لواشنطن حاملة في طياتها رسائل إلى السلطة السياسية، وليس فقط إلى القيادة العسكرية. كما أنّ هذه الزيارة تستبق مؤتمر دعم الجيش، والذي لا تزال التكهنات في شأن نتائجه غير مرتفعة. فاعتذار السعودية عن استضافته على أراضيها، وحتى عن استضافة الإجتماع التمهيدي له، يؤكّد المعلومات المتداولة بأنّها لن تساهم فيه، وذلك ربطاً بموضوع السلاح. إلّا إذا طرأ تطور إيجابي في هذا الإتجاه.
أما قطر فستتولّى تقديم الدعم، ولكن ليس على نطاق واسع، وبما يتناسب مع ما يأمله لبنان حول مساهمات تقارب المليار دولار يحتاجها الجيش للسنة الأولى.
أما العامل الثاني، فهو لا يقلّ أهمية عن العامل الأول، لا بل هو يفوقه أهمية، وهو العامل الإقليمي والمتعلق بإيران. فالقيادة الإيرانية التي عاشت تحت وطأة التهديدات الأميركية وكذلك الإسرائيلية لأيام عدة، ودعت الى إسقاط النظام القائم، تدرك أنّها ستبقى تحت المجهرين الإسرائيلي والأميركي بهدف القيام بعملية عسكرية قاضية. ولا تزال آثار الحرب الجوية التي تعّرضت لها إيران ترخي بثقلها على الخطط والتحضيرات الإيرانية.
ووفق مصادر معنية ومطلعة، فإنّ التقييم الذي أجرته السلطات الإيرانية أظهر لها الأخطاء الثلاثة التي ارتكبتها وجعلتها تتعرّض لما تعرّضت له: الخطأ الأول، وهو اعتقادها بأنّ أحداً لن يجرؤ على استهدافها. والخطأ الثاني، كان في الخروقات الأمنية الواسعة، والتي نتجت من استهتار الأجهزة الأمنية وفشلها. أما الخطأ الثالث، فهو عدم استعانتها بقواها الإقليمية للتحرك دفعة واحدة منذ بدء الحرب، وهو ما كان ليجعل أعداءها يحسبون ألف حساب قبل استهدافها. من هنا تبدو طهران مصمّمة على اتباع سياسة المواجهة. وهو ما ينطبق على واقع «حزب الله» في لبنان. وخلال الأيام الماضية، وفي عزّ التهديدات الأميركية ضدّ طهران، تمنّع «حزب الله» عن إعطاء أي جواب عمّا إذا كان سيفتح جبهة لبنان في حال حصول ضربة لإيران. لكن ثمة اقتناعاً راسخاً لدى المراقبين، بأنّ «غموض» جواب «حزب الله» يعني ضمناً الإنخراط في الردّ على إسرائيل، إلى جانب الحوثي والفصائل العراقية.
وبالتالي، فإنّ طهران تحسب بأنّ من أهداف نزع سلاح «حزب الله» تجريد إيران من مظلة الحماية الإقليمية، ما سيجعلها مكشوفة مجدداً، ولقمة سائغة أمام الساعين لتغيير النظام القائم. وحملت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأخيرة للبنان في بعض جوانبها، رسالة التمسك بالجسم العسكري لـ«حزب الله» مع كل سلاحه الثقيل والنوعي.
ومن هنا يمكن فهم الخطاب العالي السقف لـ«حزب الله»، والمتعلق بالمرحلة الثانية من الخطة. ألم يقل قاسم إنّه لا وجود لأي مراحل أخرى غير مرحلة جنوب الليطاني؟ واستطراداً، يمكن التكهن سلفاً بأنّ «حزب الله» ومِن خلفه إيران، يضعان الحسابات الصعبة أمامهما، وهو ما بدأ بتطبيقه من خلال وقف أي وجه من وجوه التعاون مع الجيش في خصوص مخازن السلاح. لكن ماذا لو اتخذ مجلس الوزراء قرار البدء بتنفيذ المرحلة الثانية وأعطى الضوء الأخضر للجيش للتحرك؟ في هذه الحالة يمكن أن تذهب الأمور في اتجاه المواجهة. وهذا الإحتمال بات موضوعاً على الطاولة ولو أنّ نسبته ليست مرتفعة بعد.
وفي وقت تبدو خطوط التواصل «مجمّدة» بين قصر بعبدا و«حزب الله»، وحيث يتولّى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون التنسيق من خلال رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي كرّر أكثر من مرّة تأييده للبدء بالمرحلة الثانية، زار وفد من القيادة العسكرية لـ«حزب الله» عين التينة، حيث اجتمع ببري طويلاً، وشرح له بشيء من التفصيل الوضع العسكري للحزب، وبأنّه ليس بالسوء الذي يتمّ الحديث عنه. طبعاً فإنّ الهدف من الإجتماع هو استمالة بري أكثر إلى جانب رؤية «حزب الله» لهذه المرحلة.
في هذا الوقت، عمدت إسرائيل إلى رفع مستوى ضغوطها الميدانية، والتي تتركّز على المنطقة التي تشملها المرحلة الثانية. وفي موازاة ذلك، عمدت وبالتفاهم مع واشنطن إلى تعطيل عمل لجنة الميكانيزم. وكأنّها توحي بذلك، بأنّ المرحلة المقبلة ستكون مختلفة، وأنّ المعادلة التي يتمّ التمهيد لتثبيتها مستقبلاً، تفرض «ميكانيزم» بجدول أعمال مختلف عمّا هي عليه الآن. أي ربما «ميكانيزم» يحاكي العناوين السياسية وليس العسكرية كما هو حاصل الآن. وهذه المؤشرات قد تكون تنبئ بتطورات عسكرية، من جهة تؤدي إلى فتح مسار سياسي جديد للبنان، ومن جهة أخرى تساهم في تعطيل أحد أهم «أذرع» إيران الإقليمية، تمهيداً لتعاطٍ مختلف معها. وما يضاعف من عامل القلق، تلك الصفقة المبهمة والتي نسجتها إدارة ترامب، وأدّت إلى وهب الورقة الكردية في سوريا وحقول النفط لسلطة دمشق ومن خلالها لتركيا. والمقصود هنا أنّه في الصفقات السياسية تكون هنالك عادة أثمان مقابلة. والسؤال هنا، أين ستسدّد دمشق هذا المقابل لواشنطن؟
وثمة حساب آخر لا بدّ من وضعه على الطاولة. ففي آخر استطلاع لشبكة «سي. إن. إن» الأميركية، بدا وكأنّ ترامب قد أخفق في سنته الرئاسية الأولى. 62% هم ضدّ سياسته الإقتصادية. و61% ضدّ رفعه الرسوم الجمركية. و72% هم ضدّ أولويات ترامب المطلقة. و54% لا يؤيّدون تدابيره بشأن الإدارة المتعلقة بشؤون الهجرة. و75% ضدّ مطالبته بضمّ غرينلاند. ووفق النسبة الإجمالية، هبط رصيد ترامب إلى 39%، وفي بعض الإستطلاعات الأخرى 41%. والسؤال هنا، كيف سيسعى ترامب للتعويض في سنته الثانية، وهي سنة الإنتخابات النصفية. ولفت هنا أنّ عملية الإطاحة بمادورو نالت بعض التأييد، وكذلك دعوته لتغيير النظام الإيراني، ولكن من دون التورط في حرب مفتوحة. وترامب الذي بدأ يلحظ وجود معارضة ضدّه داخل الحزب الجمهوري، ما جعله يخسر تصويت مجلس الشيوخ لقراره حول فنزويلا، يسعى للتعويض شعبياً عبر القيام بعمل ما. فالقبضة التي كان يمسك بها الحزب الجمهوري بدأت تتراخى بسبب اعتراضات واسعة حول دعوته للإستيلاء على غرينلاند، أو التحقيق مع رئيس الإحتياطي الفدرالي، والتي يصفون ما يحصل بأنّه غير عقلاني. لكن استهداف النظام الإيراني يلقى قبولاً داخلياً أميركياً. وهنا يصبح السؤال ما إذا كان ترامب سيجد في مشروع نتنياهو تجاه إيران و«حزب الله» نافذة خلاص؟













