| جورج علم |
بعد محادثاته في بيروت، تكوّن لدى وفد الخزانة الأميركي، إنطباع مفاده “أن المفاوض اللبناني يملك الخبرة، لكنّه لا يملك القرار، وإذا تمكّن منه، لا قدرة له على تنفيذه، لذلك تبقى المشكلة عالقة، وتصبح متناسلة”!
يعيد هذا الإنطباع إلى الأذهان، المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والتي بدأت قبل سنوات، ولم تؤدِ لغاية اليوم إلى إبرام إتفاقيّات نهائيّة ملزمة، على الرغم من كثرة الوفود المتنقّلة ما بين الطرفين. ويعود السبب إلى الآراء المتعددة حيال القرار الواحد، وصعوبة إتخاذه، وإذا ما اتخذ، صعوبة وضعه موضع التنفيذ.
يسري ذلك على حصر السلاح أيضاً. اتخذ القرار، وعلى أرفع المستويات، ولم يُنفّذ، وجاء من يقول”إنقعوه وإشربوا ميّته”!
هذا ما يؤكّد وجود مشكلة على مستوى النظام، تعرّي السلطة، وتجعلها عاجزة عن تنفيذ ما تتخذه من قرارات تجاه ملفات حسّاسة. وهذه المشكلة متأصّلة، عمرها من عمر لبنان الإستقلال، بعدما عجز المؤسسون، ومن تآلب بعدهم على مراتب المسؤوليّة، من بناء الدولة القويّة القادرة، والعادلة. لقد إرتضوا لبنان الساحة، بديلاً عن لبنان الدولة، والدستور، والقانون النافذ.
ربما كان الإستهتار وسيلة إعتمدوها حرصاً على مصالحهم الفئويّة، وإمتيازاتهم الطائفيّة. أو ربما حصل الأمر رغماً عن إرادة بعضهم، بفعل وطأة الضغوط الخارجيّة التي تآلبت على الوطن منذ براعم أظافره الإستقلاليّة. والدليل، أن الموجة الناصريّة قد إجتاحته، وهو لا يزال طريّ العود، لم تكتمل مناعته السياديّة بعد، وأدرك الرئيس جمال عبد الناصر خطورة فعلته، وتمنّى يومها على الرئيس فؤاد شهاب ملاقاته عند مضارب الخيمتين المنصوبتين على طرفي الخط الحدودي الفاصل، زمن الوحدة السوريّة ـ المصريّة، لتأكيد إحترامه لخصوصيّة الكيان اللبناني.
وبعد “الإجتياح” الناصري، هبّت رياح “الإجتياح” الفلسطيني، بعد أحداث “أيلول الأسود” في الأردن (1970). واتخذ ياسر عرفات من منطقة الفاكهاني مقرّاً لسطوته، وتصرّف وكأنه الحاكم الفعلي، وشكّلت طفرات ثورته سبباً مباشراً ـ إلى جملة أسباب أخرى ـ لإندلاع الحرب الأهليّة، وإنتهى نفوذه مع تعاظم “الإجتياح” السوري للبنان، بالتنسيق والتفاهم مع واشنطن، ومن خلالها مع “إسرائيل”.
ولم ينته “الإجتياح” السوري، إلاّ بعد إغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومع بداية “الإجتياح” الإيراني متقمصا بحزب الله، وولائه لولاية الفقيه، وعقيدته، وسلاحه، ونفوذه، ومصادرته لقرار الحرب والسلم.
رفع الحزب سبابته بوجه اللبنانيّين، والعرب، والرأي العام الدولي، أكثر من مرّة، وفي أكثر من مناسبة، حتى إنه نادى بمعادلة “توازن الرعب” مع العدو الإسرائيلي، لكن رحلته نحو “حرب الإسناد” لم تكن موفّقة، والدليل أنه أوصل لبنان إلى ما هو عليه من تدمير وتعتير.
والأدهى، أنه مهّد الطريق، ليصبح ما تبقّى من وطن متأرجحاً بين الإملاءات الأميركيّة، والأطماع الإسرائيليّة، وسط سؤال مصيري: هل فعل ذلك عن سابق تصوّر وتصميم كي يجعل من لبنان ورقة إستثنائيّة، يستخدمها الإيراني للمقايضة عندما يجلس وجها لوجه مع الأميركي للتفاوض بشأن الملفات الكبرى المطروحة على جنبات العلاقات المتوترة بين البلدين؟ أم أن حساباته كانت خاطئة عندما ذهب إلى حرب “الإسناد”، لينتهي به المطاف تحت قناطر الإنكار؟
وظيفته الآن ألاّ يسلّم كامل أوراقه، بطلب إيراني حازم ـ حاسم.
حجّة طهران، أنه يقف عائقا بوجه “الإجتياح” الإسرائيلي ـ الأميركي للبنان ـ الساحة. في حين أن مرادها بألاّ يخلي الساحة، إلاّ بعد الحصول على مكاسب يريدها النظام الإيراني من الأميركي والإسرائيلي معاً.
وتبقى العقدة المستعصيّة في الداخل اللبناني المهترئ. وحدة وطنيّة مفكّكة، مأزومة. إنقسام عمودي حول “أيّ لبنان”. بنى تحتيّة مدمّرة، لا قطاع مصرفي، لا قطاع مالي، لا قطاع إقتصادي، لا قطاع صحيّ، أو تربوي، أو خدماتي. مسؤولون تولّوا زمام المسؤوليّة بعد فراغ على مدى نيّف وسنتين في ملاكات الدولة ومؤسساتها. وعدوا بتكوين السلطة إستناداً إلى خطاب القسم، والبيان الوزاري، ووضعوا معظم أوراقهم في السلة الأميركيّة لعلّ واشنطن تؤدي دور الحَكَم النزيه، وتتصرّف كوسيط قادر على ردع “إسرائيل”، ووضع حدّ لنهمها المتمادي في الجسم اللبناني المنهك. لكن الرياح الأميركيّة تهب ـ لغاية اليوم ـ عكس حسابات الأشرعة اللبنانيّة، وتتصرّف إدارة الرئيس ترامب بمنطق فوقي، ولغة إملائيّة تتماهى بالكامل مع المطالب الإسرائيليّة التوسعيّة، وتلحّ على بيروت الإستجابة… وإلاّ سيكون الحساب عسيراً!
أن تتصرّف الولايات المتحدة مع السلطة اللبنانية الناشئة، بمنطق فوقي، وأن تتبنّى السياسة الإسرائيليّة العدوانيّة، ومطالب بنيامين نتنياهو وشروطه التوسعيّة، فهذا ما يشكّل قمّة النفاق السياسي، كون دورها لم يعد دور الوسيط العادل، النزيه، بقدر ما يحاكي دور المحتل، صاحب أغراض، وأهواء، ومصالح تتجاوز قدرات لبنان، وإمكاناته.
ويأتي توم برّاك إلى بيروت، كواعظ غضوب، يشتم، ويصف الدولة بـ”الفاشلة”. وتأتي مورغان أورتاغوس لتملي شروطها التعجيزيّة. ويأتي وفد الخزانة الأميركي ليهدّد، ويتوعّد، ويحدّد للسلطة مهلاً زمنية لتجفيف منابع تمويل “حزب الله”، و”تجريده” من سلاحه.. وإلا الويل والثبور، وعظائم الأمور!
ويتردّد في الوسط الدبلوماسي الأوروبي، سؤال محوريّ: “هل تريد الإدارة الأميركيّة فعلاً تجفيف سلاح حزب الله ومنابع تمويله، قبل أن يدخل لبنان عتبة الإتفاق الإبراهيمي، ويحققّ بنيامين نتنياهو ما يطمح إلى تحقيقه بالحديد والنار؟”.
يقول الأوروبيّون: إن المصداقية الأميركيّة حاليّاً تجاه لبنان، تكتب بحبر إسرائيلي، وأبجديّة إبراهيميّة.. لذلك يبقى ساحة.. على أمل أن يصبح وطناً صاحب دور ووظيفة واضحة في الشرق الأوسط الجديد!
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” على “واتس اب” إضغط على الرابط
https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_cop













