| خلود شحادة |
لا يُمكن الحديث عن لبنان الحديث وعن مسار دولته من دون التوقف عند شخصية الإمام السيد موسى الصدر. فالرجل لم يكن مجرّد مرجع ديني شيعي، بل قائداً وطنياً حمل مشروعاً أشمل من الطائفة، مشروعاً يرسم معالم دولة المواطنة.
ومن هنا، ظلمته بعض القراءات حين حصرت حضوره ضمن حدود الطائفة الشيعية، بينما كان في جوهر فكره مؤسساً لـ “دستور معنوي” للبنان، يقوم على إلغاء الطائفية السياسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء دولة القانون والمؤسسات.
الإمام موسى الصدر… قائد وطني لا طائفي
منذ لحظة قدومه إلى لبنان، أدرك الإمام أنّ الطائفية السياسية ليست ضمانة بل عائق أمام تطور الدولة. لذلك دعا مبكراً إلى إلغائها، مؤكداً أن الانتماء الحقيقي يجب أن يكون للوطن، لا للطائفة. لم يتعامل مع الطائفة الشيعية إلا كبوابة لخدمة الوطن كله: رفع الحرمان، ليقوى لبنان بمجمله. بهذا المعنى، قدّم الإمام مشروعاً أقرب إلى صياغة “دستور عادل” يعكس صورة لبنان الذي نحلم به اليوم: بلد قائم على المساواة، العدالة، والانتماء الوطني المشترك.
لبننة المقاومة وتأسيس البيئة الحاضنة
في موازاة مشروعه الوطني، كان الإمام الصدر يرى أنّ الاحتلال الإسرائيلي لا يواجه إلا بمقاومة لبنانية خالصة. فأطلق شعاره الشهير: “إسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام”، ثم ترجم القول إلى فعل عبر تأسيس البنية الأولى للمجتمع المقاوم. لم يجعل المقاومة مشروعاً خارجياً أو فئوياً، بل “لبننها”، أي جعلها امتداداً لطبيعة لبنان الدفاعية. هكذا وُلدت البيئة الحاضنة للمقاومة، حيث تلاقت العقيدة مع التنمية الاجتماعية والخدماتية، فصارت المقاومة جزءاً من الهوية الوطنية اللبنانية.
داخلياً، كان الإمام الصدر سداً منيعاً أمام نيران الحرب الأهلية. في ذروة الصراع الأهلي رفع صوته: “الدم اللبناني على اللبناني حرام”. لم يكن خطابه دعوة أخلاقية فقط، بل رؤية سياسية: لبنان لا يقوم إلا بوحدة أبنائه، والحوار هو السبيل الوحيد لحل الخلافات. واليوم، بعد مرور أكثر من أربعة عقود على تغييبه، يظهر فكره كحاجة لبنانية ملحّة، خصوصاً في ظل الانقسامات الراهنة والتجاذبات الطائفية والمذهبية.
هذا الفكر لم ينقطع مع غياب الإمام، بل وجد امتداداً في مسيرة الرئيس نبيه بري. كرئيس للمجلس النيابي، كرّس بري نفسه حامياً للوحدة الداخلية، وراعياً دائماً للحوار بين الفرقاء اللبنانيين. في الوقت ذاته، كان ولا يزال المدافع السياسي الأبرز عن المقاومة، رابطاً بين مشروعها الدفاعي وبين حماية السلم الأهلي. فهو الامتداد الطبيعي لفكر الإمام الصدر: مقاومة الاحتلال من جهة، ومنع الفتنة الداخلية من جهة ثانية، وذلك برز جلياً في مقولته “الوحدة الوطنية أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل”.
على هذه الخلفية، يترقّب اللبنانيون خطاب الرئيس بري في 31 آب، في ذكرى تغييب الإمام الصدر. التوقعات تشير إلى خطاب عالي السقف، يضع النقاط على الحروف في أكثر من ملف.
أوّلاً، سيعيد بري التأكيد أنّ الحوار هو الطريق الوحيد لحماية لبنان من الانقسام، وتشير المصادر إلى امكانية تقديم دعوة للفرقاء اللبنانيين لطاولة حوار من شأنها ايجاد حل يتعلّق بمسألة حصر السلاح.
ثانياً، سيرفض أي مهادنة أو مساومة على عناصر القوة الوطنية، وفي مقدمتها سلاح المقاومة، مع التشديد أنّ أي نقاش حول هذا السلاح لا يُفتح إلا بضمانات أولها استكمال تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة.
وثالثاً، سيحذر من خطورة الانصياع للضغوط الخارجية التي تريد تفكيك لبنان من الداخل، محذراً من أي مؤامرة قد تُحاك ضد فئة لبنانية.
سيؤكد بري في ذكرى الإمام الصدر، أن خيط الفكرة والمشروع سيستمر، وهو: لبنان الوطن، لا لبنان الطوائف. لبنان المقاومة، لا لبنان الضعف. لبنان الحوار، لا لبنان الفتنة.
وهكذا، تتحوّل ذكرى تغييب الإمام إلى محطة لإحياء فكر حيّ لم يمت، بل ظل محفوظاً في وجدان اللبنانيين. فالإمام موسى الصدر لم يكن زعيماً لطائفة، بل صاحب مشروع دولة، والوطن بحاجة للعودة إلى فكره وهو على وشك الانهيار والتفكك.
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط













