| حيدر خليل |
أطلق الموفد الأميركي توم براك، من قصر بعبدا، عبارة لافتة عن ضرورة إقناع إيران بالتعاون في لبنان. قال حرفياً: “في نهاية المطاف إيران لا تزال جارتنا”.
عبارة قصيرة لكنها مشحونة بالرسائل والأبعاد والاستراتيجية، وتكشف ما هو أبعد من مجرد توصيف جغرافي. في الدبلوماسية، خصوصًا في لحظات التوتر، العبارات المقتضبة كثيرًا ما تكون أقوى من البيانات المطولة، لأنها تحمل رسائل مزدوجة: موجهة إلى الداخل اللبناني من جهة، وإلى الخارج، أي إيران نفسها، من جهة أخرى.
في الظاهر، قد يبدو كلام براك توصيفًا جغرافيًا، علماً أن إيران بعيدة جغرافياً عن لبنان، لكن وضع هذا الكلام في سياق المشهد الإقليمي يجعله مختلفًا.
فواشنطن لطالما تعاطت مع إيران كـ”قوة مهددة” أو “دولة عدوة”، لا كـ”جار طبيعي” في المنطقة. وبالتالي، استخدام عبارة “جارتنا” يوحي بتحول في زاوية النظرة الأميركية: من خطاب المواجهة والعقوبات، إلى خطاب الإقرار بواقع جيوسياسي لا يمكن تخطيه، بل وتريد الولايات المتحدة التعامل مع الحيثية الإيرانية بواقعية.
هذا التصريح يشي بأن قنوات التواصل بين واشنطن وطهران مفتوحة، وأن لبنان قد يكون نقطة التقاء بين أميركا وإيران. فالإقرار بإيران كـ”جار” يعني الاعتراف بدورها الإقليمي، بغض النظر عن طبيعة وحجم هذا الدور، وأن هناك رغبة بالتعاون معها في ملفات تمتد من العراق إلى لبنان، وربما حتى مستقبل النفط والغاز في المنطقة. الرسالة تحمل مضمونًا عمليًا: الولايات المتحدة ليست بصدد إقصاء إيران، بل تريد شراكتها في تنفيذ رؤيتها للإستقرار في الشرق الأوسط.
ويتضمن كلام براك بعدين متوازيين:
1. للداخل اللبناني: الإشارة إلى إيران كـ”جارتنا” محاولة لطمأنة حلفاء طهران، خصوصًا “حزب الله”، بأن الولايات المتحدة لا تريد العبث بالتوازنات اللبنانية، وأنها حريصة على دور الشيعة في التركيبة اللبنانية، لكنها تريد صياغة دور مختلف عن الواقع الحالي.
2. للإيرانيين مباشرة: الرسالة تقول إن واشنطن مستعدة لإعادة النظر في بعض مقارباتها إذا وجدت مرونة مقابلة. وهذا يعكس إدراكًا أميركيًا بأن إيران، بحكم موقعها الجغرافي وتشابك أذرعها الإقليمية، باقية في المشهد، ولا يمكن تجاوزها.
يبقى السؤال: هل يشكل تصريح براك تحولًا استراتيجيًا في السياسة الأميركية، أم أنه مجرد تكتيك ظرفي؟
إذا كان تحولًا استراتيجيًا، فهو يعني واحداً من أمرين: إما أن واشنطن تتهيأ لإعادة فتح مسار التفاوض مع إيران، ربما في موازاة أو بعد ترتيب الوضع في غزة والجنوب اللبناني. وإما أن هناك مفاوضات جارية فعلياً وهي تتسم بالإيجابية.
أما إذا كان تكتيكًا، فقد يكون هدفه استيعاب الساحة اللبنانية مؤقتًا، ومنع انفجارها، عبر الإيحاء بأن إيران ليست خارج اللعبة.
لكن في الحالتين، الأكيد أن واشنطن لم تعد تطرح معادلة صفرية مع إيران. فهي باتت ترى أن أي استقرار في لبنان أو سوريا أو العراق، يمر عبر قنوات مرتبطة بطهران.
من هنا، فإن عبارة براك “إيران جارتنا” ليست مجرد انزلاق لغوي أو مجاملة دبلوماسية. هي مؤشر على براغماتية أميركية متزايدة، تعترف بأن الجغرافيا السياسية أقوى من العقوبات والخطابات. لكن السؤال الآن: هل تلتقط طهران هذه الإشارة وتحوّلها إلى فرصة للتفاوض، أم أنها ستقرأها كرسالة ضعف أميركية مؤقتة؟
بهذا المعنى، كلام براك من بعبدا قد يكون بداية لخطاب أميركي جديد، يضع لبنان مجددًا في قلب التوازنات الإقليمية، لا مجرد هامش لها.













