| جورج علم |
تتوإلى الصدمات. تُستباح الحدود. تنتهك السيادات. تتغيّر معالم الأوطان. وما يجري في الجنوب السوري يترك الكثير من علامات الإستفهام حول الحدود التي سينتهي اليها العصف الأميركي ـ الإسرائيلي في الشرق الأوسط، والجغرافيات الجديدة التي تهندسها الغطرسة الإسرائيليّة، بدعم مفرط من الإدارة الأميركيّة.
حصلت تطورات كثيرة بعد قمّة الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. بقيت الملفات النازفة مفتوحة على المزيد من التداعيات. كان الهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزّة، وفتح المعابر لدخول المساعدات، وإذ بالصاعقة الترامبيّة تضرب من دون مقدمات، ويصدر القرار بـ”تطهير” غزّة من أهلها، تمهيداً لتحويلها إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”.
ماذا سيقول العرب في القمّة الطارئة التي دعت إليها مصر؟ الجواب قيد الإعداد، وهناك مروحة واسعة من الإتصالات والمشاورات لا يُستهان بها، لكن أيّ قرار قد يتخذ سيكون محاصراً بالشك حول مدى القدرة والمقدرة على وضعه موضع التنفيذ، خصوصاً إذا ما هبّت رياح القمّة، عكس ما تشتهي الأشرعة الأميركيّة ـ الإسرائيليّة؟
وفي الطريق من غزّة إلى الجنوب، هناك قرار يتحدّث عن وقف لإطلاق النار، فيما العربدة الإسرائيليّة مستمرة، قصفاً وتدميراً، فضلاً عن إحتلال بعض التلال الإستراتيجيّة على الشرفة الجنوبيّة.
بعد قمّة ترامب ـ نتنياهو، أدخل القرار إلى غرفة “العمليات”، لإخضاعه إلى عمليّة تشويه بهدف إخراجه من الخدمة، وبدلاً من أن يُقفل باباً، فتح أبواباً أخرى على مسارات قد تؤدي في نهاية المطاف إلى “تفاهمات إبراهيميّة”، بضغوط أميركيّة.
وتتحدّث المرجعيات العليا في الدولة والحكومة عن المسار الدبلوماسي. وترى أنه الوحيد المتاح في الوقت الراهن، لتحرير الأرض، وإستعادة السيادة. وهي على حقّ في ذلك، نظراً للمخاطر التي قد تهدّد ما تبقى من معالم وطن، في حال إعتمدت مسارات أخرى.
لكن المسار الدبلوماسي يحتاج إلى قوّة موقف. وقوّة الموقف تنبع من قوّة الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي في الإلتزام بوقف قرقعة السلاح، وتفعيل القرار المستباح.
وتكشف الإتصالات، والوقائع الميدانيّة أن المسار الدبلوماسي اللبناني يعاني من جائحتين.
الأولى: ضيق الخيارات، ولم يبق أمامه سوى الأميركي يراجعه، ويستجديه للوفاء بإلتزاماته كمهندس للإتفاق، وكمؤتمن على حسن تطبيقه.
الثانية: إن “النعجة” الأوروبيّة التي كان يعتمد على نولها لحياكة كنزة الشتاء، قد تخلّت عن صوفها قبل أن يحلّ فصل الربيع. وعندما يدلف الرئيس الفرنسي عتبة البيت الأبيض بإستقبال باهت مذلّ، وخارج عن كل القواعد البروتوكوليّة المعتمدة، فهذا يعني كم أن الوزنة الفرنسيّة ـ الأوروبيّة قد أصبحت خفيفة الثقل في الميزان الترامبي، وربما أراد النافذ في البيت الأبيض أن يوجّه أكثر من رسالة في أكثر من إتجاه، عندما تصرف بعنجهيّة في إستقبال ضيفه.
وفي الطريق من الجنوب اللبناني إلى الجنوب السوري، تكثر الأسئلة الصعبة، المفخّخة بألف لغم ولغم.
صبيحة 8 كانون الأول 2024، أطلق الإسرائيلي عمليّة “سهم باشان”، وهي عمليّة عدوانيّة جوّية وبرّية، شنّها جيش الإحتلال، بعد ساعات من سقوط نظام بشّار الأسد، حيث توغّل داخل المنطقة العازلة، والقنيطرة، وجبل الشيخ، وذلك للمرّة الأولى منذ 50 عاماً، خارقاً بذلك إتفاقيات وقف إطلاق النار في 31 ايار 1974.
وحدّد وزير الحرب الإسرائيلي أهدافا أربعة:
الأول، ضمان السيطرة على المنطقة العازلة، والمواقع الإستراتيجيّة القريبة.
الثاني، إقامة منطقة أمنيّة تمتدّ إلى ما وراء المنطقة العازلة، مع التركيز على تدمير كل الأسلحة الثقيلة، والبنية التحتيّة التي يمكن أن تشكّل تهديداً، وإقامة إتصال مع المجتمعات الدرزيّة المحليّة، والمجتمعات الإقليميّة الأخرى.
الثالث، منع إنشاء طرق تهريب الأسلحة إلى لبنان عبر الأراضي والمعابر الحدوديّة السوريّة.
الرابع، مواصلة تدمير منظومات الأسلحة الثقيلة الإستراتيجيّة في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك شبكات الدفاع الجوّي، وأنظمة الصواريخ، ومنشآت الدفاع الساحليّة.
حصلت أكثر من 500 غارة جويّة. وتدمير70 إلى 80 في المئة من الأسلحة الإستراتيجيّة السوريّة. والسيطرة على مدينة البعث، وخان أرنبة، وقنطا، والقنيطرة، والجانب السوري من جبل الشيخ، و…
كلّ هذا، جرى قبل قمّة ترامب ـ نتنياهو. بعدها، يطالب نتنياهو “بإخلاء جنوب سوريا من القوات العسكريّة للنظام الجديد بشكل كامل”، والإلتزام “بحماية الدروز في الجنوب السوري”!
وبعد القمّة، يعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل غاتس “أن إسرائيل قد بدأت بتطبيق سياسة جديدة في سوريا تتمحور حول منع تحويل الجنوب السوري إلى نسخة من الجنوب اللبناني”!
هذا العدوان المنفلت، ومن دون ضوابط، في الجنوب السوري، يقلق لبنان.
أولاً، كونه يتزامن مع الأحداث التي شهدتها الحدود السوريّة ـ اللبنانيّة، بعد سقوط النظام السوري.
ثانياً، كونه يشكّل إلتفافاً إستراتيجيّاً على الجغرافية اللبنانيّة، وإمكانية دخول قوات إسرائيليّة إلى منطقة البقاع الأوسط.
ثالثاً، كونه يربط مسار الإحتلال في الجنوب اللبناني، بمسار الإحتلال في الجنوب السوري، تمهيداً لربطهما بمصير مشترك، تحدده الإملاءات الإسرائيليّة، ويحقّقه الضغط الأميركي المباشر.
وفي الطريق من سوريا إلى إيران يزبد البحر، ويزداد هبوب الريح، فهل تكشف الأنواء ما تخبئه النوايا؟
بالطبع، من المهم معرفة ما سيحمله طالع الأيام. ولكن الأهم أن يعرف، من لا يريد أن يعرف، أن هذا اللبنان كان عصيّاً على مرّ التاريخ رغم مظاهر ضعفه. وبالتالي لن يكون – مهما كانت المتغييرات الكبرى في المنطقة ضاغطة ـ “مربض خيل” أميركي. ولا إستراحة “كاوبوي”.













