أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” أن أوروبا وبقية العالم يحاولون فهم نزعات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإمبريالية.
وأشارت الصحيفة إلى أن قادة أوروبا بحاجة لدعم أميركا لهم ضد روسيا في حربها مع أوكرانيا، لكنهم أظهروا حذراً في انتقاد تحركات ترامب وأطماعه في جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وإيران وفنزويلا وقضايا أخرى. مع أن التقارير تتحدث عن غضب خاص بين الأوروبيين وشعور بالذعر من تهديدات ترامب الجديدة بالاستيلاء على الجزيرة من الدنمارك، حليفة “الناتو”، بعد تدخله العسكري في فنزويلا. ولكنهم يحتاجون إلى الولايات المتحدة لضمان أمن أوكرانيا ما بعد الحرب ضد أي حرب روسية أخرى، وهو ما يمثل مصلحة استراتيجية حيوية لأوروبا.
وعلى هذه الخلفية، اجتمع القادة الأوروبيون في باريس يوم الثلاثاء مع كبار المفاوضين الأميركيين لمناقشة سبل التوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا. وأعلنوا معاً عن إحراز تقدم في ضمانات الأمن لأوكرانيا ما بعد الحرب، لكن أي وقف لإطلاق النار يبدو بعيد المنال، نظراً لعدم مشاركة روسيا في المحادثات.
وفي وقت سابق من اليوم نفسه، أصدرت بعض الدول المشاركة في الاجتماع بياناً مشتركاً للتضامن مع الدنمارك، داعية إلى أمن جماعي لحلف “الناتو” في القطب الشمالي، بما في ذلك الولايات المتحدة.
ولم يتضمن البيان أي انتقاد صريح لواشنطن، فيما كان اجتماع أوكرانيا يهدف بالكامل إلى الحفاظ على دعم إدارة ترامب. وعلقت الصحيفة أنه مع تلك المظاهر الخارجية للوحدة الأوروبية الأميركية، يكمن في جوهر الأمر عودة ترامب المفاجئة إلى حقبة أكثر إمبريالية. فالأوروبيون الذين يعتبرون التدخل الأميركي في فنزويلا انتهاكًا للقانون الدولي يرون رئيساً أميركياً يعتقد أنه منح سلطة جديدة وبات مهووساً بالعمل العسكري، الذي شبهه بمشاهدة برنامج تلفزيوني.
ويبدو الرئيس الأميركي وكأنه قوة لا يمكن التنبؤ بها إلى حد كبير، قادرة على إحداث اضطراب هائل في حلف “الناتو” وفي أوكرانيا وإيران وغزة، بينما يحول بصره من جائزة متخيلة إلى أخرى.
وقال إيرلانغر إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رفض الإجابة عن غرينلاند وفنزويلا بعد الاجتماع في باريس حيث كان إلى جانبه المبعوث الأميركي قائلا إنها “ليست مرتبطة بموضوع اليوم”، ولكنه قال لاحقاً في تصريحات لتلفزيون فرنسي: “لا أستطيع تخيل سيناريو تقوم فيه الولايات المتحدة بخرق السيادة الدنماركية”.
وقد اتسم الموقف الأوروبي في معظمه بالصمت أو التعليقات الموجزة، وأصدر قادة أوروبا بيانات مشتركة تتجنب انتقاد حليفهم الإستراتيجي المهم، أي الولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن مارك ليونارد، مدير مجلس العلاقات الأوروبية قوله: “هناك فجوة عميقة بين ردود الفعل العلنية والخاصة للقادة الأوروبيين”، وأضاف: “في السر، ينتابهم الذعر حيال ما سيحدث لاحقا، لا سيما في غرينلاند وما قد يفعلونه حيال ذلك. أما علناً بشأن فنزويلا، فهم حريصون كل الحرص على عدم توجيه أي انتقاد أو اللجوء إلى القانون الدولي ضد ترامب في وقتٍ بالغ الخطورة بالنسبة لأوكرانيا. إنهم يريدون استغلال نفوذهم لصالح أوكرانيا”.
إلا أن رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن، كانت صريحة في مطالبتها واشنطن بالكف عن التدخل. وقالت إن أي تحرك ضد غرينلاند والدنمارك سيقضي على حلف “الناتو”. وقالت فريدريكسن لمحطة إذاعية دنماركية يوم الاثنين: “إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى من دول الناتو، فسينتهي كل شيء”. وأضافت أن ذلك سيشمل إنهاء “الأمن الذي تم توفيره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية”.
وقالت الصحيفة إن هناك اعتقاداً واسعاً في الدنمارك بأن ترامب يزيد من الضغوط كوسيلة تفاوضية، ولكنه لن يستخدم القوة العسكرية ضد حليف في “الناتو” مستعد للعمل معه في مجال تعزيز الأمن والفرص التجارية. وبالمقارنة مع العلاقات الأميركية- الفنزويلية التي كانت “رهيبة لعقود”، يقول ميكيل رونغ أوليسن من المعهد الدنماركي للعلاقات الدولية، إن “غزو حليف في الناتو أمر مختلف تماماً”، لما ينطوي عليه من تكاليف باهظة غير معروفة. وتوقع استمرار الضغط من واشنطن، لكنه قال: “لا أرى الغزو العسكري الأداة الأرجح التي ستستخدمها الولايات المتحدة”. ومع ذلك، لا أحد يعلم على وجه اليقين، خاصة بعد تصريح ترامب للصحافيين، على ما يبدو مازحاً، بأن القضية ستحل في غضون 20 يوماً.
وقد انقسمت أوروبا، ممثلة بالاتحاد الأوروبي، في ردود فعلها. فبالنسبة لفنزويلا، دعت إلى مراقبة الوضع وإلى انتقال ديمقراطي. وجددت دعمها لوحدة أراضي غرينلاند والدنمارك، وأكدت أن أي تغيير يجب أن يقرره المواطنون أنفسهم. لكنها لم تهدد حتى الآن باتخاذ أي إجراء في حال تحرك ترامب.
وأشارت الصحيفة إلى وجود تشوش دولي وقلق بشأن ترامب الذي وصل إلى السلطة العام الماضي لإنهاء تورط الولايات المتحدة في الحروب الخارجية، ولكنه بدأ حروباً في العام الثاني من ولايته، وهو ما بث التشوش بسبب ما يبدو أنه استراتيجية أميركية، كما يقول ليونارد: “الطريقة التي يعملون من خلالها هي جعل الناس يتكهنون لما سيحدث لاحقاً”.
كل هذا لا ينفي وجود نمط واضح في السياسة الأميركية وهو أنها باتت إمبريالية كما تقول ناتاشي توشي، مديرة معهد الشؤون الدولية للأبحاث في إيطاليا:”السياسة الخارجية الأميركية اليوم إمبريالية، وإمبريالية بشكل ثابت. ولا يقتصر الأمر على السعي لإقامة إمبراطورية أميركية في نصف الكرة الغربي، بل إن ترامب يتبنى مفهوم الإمبراطورية نفسه، وهذا ما يسمح بوجود إمبراطوريات أخرى”.
وتوضح أن هذه النظرة للعالم لا تسمح فقط بوجود إمبراطورية أميركية، بل أيضاً إمبراطورية روسية وصينية. إذ يمكنها إدارة مناطقها كما تراه مناسباً، “ويمكنها التعايش من دون التدخل في شؤون بعضها البعض”، أو حتى اختيار التعاون، على حد قول توتشي. وتضيف: “بالتأكيد، فهذا مريح لبوتين وشي جين بينغ لكي يمارسا نزعتهما الإمبريالية حيث أصبح هذا وضعاً طبيعياً جديداً”.
في المقابل، يشعر الأوروبيون الذي تخلوا عن بناء إمبراطوريات منذ وقت طويل، بعدم الراحة، لأنهم محشورون اليوم بين الولايات المتحدة وروسيا.
ويعتقد المحلل الدفاعي الفرنسي فرانسوا هايسبرغ، أن سياسة دونالد ترامب متسقة تماماً ولكنها خطيرة، و”هو ينفذ ما يقول” بعد مواجهة فريدريسكين، رئيسة وزراء الدنمارك عام 2019. مضيفاً أننا أصبحنا نعيش في عالم القوة وتحكمه موازين القوى، ويبدو أن الأوروبيين لم يستوعبوا هذا بعد. وفي الغالب، نفذ القادة الأوروبيون مطالب ترامب خلال ولايته الأخيرة. فاختاروا، على سبيل المثال، عدم استهداف شركات التكنولوجيا الأميركية في الجولة الأولى من مفاوضات الرسوم الجمركية. وأشار هايسبرغ، في معرض حديثه إلى وثيقة صادرة عن إدارة ترامب الشهر الماضي تصور الأوروبيين ضعفاء ومتراجعين، وذلك في إشارة إلى وثيقة الأمن القومي الصادرة عن البيت الأبيض.
وبالمثل، فوتت أوروبا فرصةً مهمة في كانون الأول/ديسمبر لإظهار استعدادها لمساعدة أوكرانيا بقوة لكل من موسكو وواشنطن، إذ رفضت استخدام الأصول الروسية المجمدة، واكتفت بقرض جماعي أصغر بكثير. وقد عبّر البعض، مثل برونو ماكايس، وزير الدولة البرتغالي السابق للشؤون الأوروبية، عن آرائهم بصراحة في حث الاتحاد الأوروبي على وضع خطة هجومية مضادة محتملة في حال أقدم ترامب على خطوة ضد غرينلاند، بما في ذلك فرض عقوبات على الشركات الأميركية وطرد العسكريين الأميركيين. كما اقترح رافائيل غلوكسمان، العضو الفرنسي في البرلمان الأوروبي، إنشاء قاعدة عسكرية أوروبية في غرينلاند، كرسالة إلى واشنطن وتأكيداً على التزام القارة بأمن الجزيرة. وقالت أماندا سلوات، المسؤولة السابقة عن الأمن القومي في إدارة بايدن، إن على قادة العالم أن يدركوا دوافع اهتمام ترامب بفنزويلا عند ردهم على تهديده بغزو غرينلاند. وأشارت إلى أن ترامب قال إن فنزويلا كانت متورطة في تجارة المخدرات، لكنه يتحدث الآن في الغالب عن الاستيلاء على صناعة النفط.
وقالت الصحيفة إن ترامب يتحدث عن غرينلاند من منظور أمني، وهو ما يفهمه الدنماركيون وسكان الجزيرة.
وأضافت: “سيرحبون بتعزيز الوجود الأميركي في غرينلاند. لكن هل الدافع الحقيقي مرتبط بالاستفادة من المعادن النادرة هناك، أم أنه مجرد تطبيق لمبدأ مونرو الذي تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى توسيع نفوذها الإقليمي؟”.
ويواصل الأوروبيون وغيرهم محاولة تصنيف ترامب ضمن إطار استراتيجي محدد، لكن في ولاية ثانية، “كان ينبغي أن ندرك أنه لا يمكن تصنيفه ضمن هذا الإطار”، كما قالت كلوديا ميجر، خبيرة الدفاع في صندوق مارشال الألماني في برلين. مضيفة: “يبدو أنه مستعد لتنفيذ ما يقوله، لكن ماذا ومتى؟ لا يزال الأوروبيون يحاولون فهم موقفه في ظل غياب التماسك”.
وأشارت ميجر إلى أن الأوروبيين باتوا يدركون بشكل متزايد أن “ترامب يتصرف في بعض المجالات بطريقة عدائية” وأن النظام الليبرالي القائم على القواعد ينهار. وأضافت: “لكن نظراً لاعتماد الأوروبيين على الأمن، فإنهم يشعرون بأنهم لا يستطيعون التحدث أو التعبير عن آرائهم. لا يمكننا تحمل ذلك”.



