/ علاء حسن /
ما أن وصل المبعوث الأميركي، المكلف بالوساطة في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والكيان الصهيوني، آموس هوكشتاين، إلى لبنان، حتى كانت المقاومة في استقباله عبر فيديو نشره “الإعلام الحربي”، يظهر فيه معلومات دقيقة عن الوضع في حقل “كاريش”.
سريعاً، يمكن قراءة دلالتين هامتين في هذا الفيديو المدروس بعناية شديدة، ويحمل رسائل “صاروخية”:
الدلالة الأولى سياسية، وتتمثل في التأكيد على الموقف الذي أعلنه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله أكثر من مرة في الأيام الماضية، والذي بموجبه أعلنت المقاومة عن معادلة “لا غاز ـ لا غاز”، أي أنه إذا لم يحصل لبنان على حقه في استخراج الغاز والنفط، فلن يسمح للكيان الصهيوني بالحصول عليه في المقابل.
والدلالة الثانية مرتبطة بمضمون الفيديو، حيث يُظهر تاريخ تصوير السفينة والحفّار، وهو تاريخ يوم السبت 30 تموز، أي قبل أقل من 24 ساعة على بثّ الفيديو، مما يعني أن المقاومة تراقب ما يجري بشكل يومي، وربما على مدار الساعة أيضاً. الأمر الآخر الذي ظهر في الفيديو هو اتصال السفينة بالحفّار، وهو يعني اطلاع ومعرفة المقاومة على ما يتم تداوله عبر اللاسلكي بين المنصتين. هذا الأمر، في المفهوم العسكري كما يتحدّث عنه المتخصصون، له بالغ الأهمية، لأن التنصّت يعدّ من أهم أدوات الاستعلام العسكري الذي تستخدمه الجيوش في محاولة معرفة ما يجري لدى الطرف الآخر.
أمر إضافي ظهر في الفيديو، هو احداثيات المنصات الموجودة، الحفار والسفينة، وبعدها مشهد الصاروخ البحري “الجاهز للانطلاق” بعد أن كان الفيديو بدا بلقطة لتثبيت منصة الصاروخ.
إذاً، نحن أمام رسالة تتصف بالقوة والجرأة والجدية في آن، ذلك أن المقاومة عندما عَنْوَنَت الفيديو أن “اللعب بالوقت غير مفيد”، أرادت القول صراحةً أن أي رد إسرائيلي على طلبات لبنان المقدمة في الجولة الأخيرة، إذا لم يحقق للبنان حقوقه ومكتسباته، فإنه يعني أن مجيء المبعوث الأميركي أمر غير مجدي، وأن المقاومة ماضية في قرارها استعادة حقوق الشعب اللبناني مهما بلغ الأمر، وهو ما أكده رئيس المجلس التنفيذي في “حزب الله” السيد هاشم صفي الدين الذي أعلن أن “لا عودة إلى الوراء.. وأن من يتخيل أن شعب المقاومة يمكن أن يتراجع، فهو مخطئ وواهم”.
الكلام الذي يتقاطع مع ما أعلنه نائب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، ليل أمس في المجلس العاشورائي المركزي، عندما تحدث عن تميّز بيئة المقاومة وثقافتها، وردّ على الذين يتهمونها بعدم التشابه بـ”البيئة اللبنانية”، أنه “من الجيد أننا لا نشبهكم”، ويقصد هنا الفريق السياسي الذي يطالب بنزع سلاح المقاومة.
من الواضح أن كلام مسؤولي الحزب هو في سياق التجهيز للمعركة المقبلة، أياً كان شكلها، وإيصال الرسائل اللازمة، إلى الداخل والخارج، بعدم تراجع المقاومة عن قرارها في الذهاب نحو “الخيارات الصعبة” إذا ما تتطلب الأمر ذلك، في لحظة بالغة الحساسية في المنطقة والعالم.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن المقاومة تقرأ المتغيرات الحالية بدقة متناهية، وهي تعي ما يجري من تغيير في موازين القوى العالمية، وخرائط الطاقة المؤثرة على الوقائع الجيوسياسية، وتعلم تمام العلم ما يدور في أذهان أصحاب القرار في المنطقة والعالم، وتعمل وفق استراتيجية واضحة لمنع تهميش لبنان واستبعاده عن كرسي المشاركة في صناعة العالم الجديد، مثلما فعلت بالتحديد العام 2006، عندما أفشلت مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفرضت موازين قوى مختلفة.
هل سيتطلب الجلوس إلى طاولة المشاركة في صناعة العالم الجديد اندلاع حرب؟ أم أن اشتعالها في مناطق أخرى من العالم، سيترك أثرها على المساومات القائمة هنا؟
الأيام المقبلة ستظهر ما يستطيع أي طرف فعله، وما يجري في العراق الآن فيه خير مثال..













