في لحظة سياسية تحمل دلالات تتجاوز حدود ولاية ميشيغان، حقق الديمقراطي التقدمي عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبدول السيد (Abdul El-Sayed)، فوزاً تاريخياً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، بعدما هزم الجمهوري مايك روجرز في سباق مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وفق النتائج التي أعلنتها وسائل الإعلام الأميركية في 4 تشرين الثاني 2026. وبذلك، يصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، في محطة تفتح فصلاً جديداً في مسار تمثيل المسلمين والعرب الأميركيين داخل المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة.
لكن أهمية فوز السيد لا تقتصر على هويته الدينية أو أصوله المصرية، بل ترتبط أيضاً بطبيعة المشروع السياسي الذي حمله إلى واشنطن، وبمواقفه من الرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية ونفوذ الشركات، فضلاً عن انتقاداته الحادة للسياسة الأميركية تجاه الكيان والحرب على غزة.
يُعرف مايك روجرز، الذي هزمة السيد، بمواقفه المؤيدة بقوة للكيان، وهو يقدّم هذه العلاقة باعتبارها جزءاً من التحالف الاستراتيجي والأمني بين واشنطن وتل أبيب.
من ميشيغان إلى أكسفورد وكولومبيا

وُلد عبد الرحمن محمد السيد في 31 تشرين الأول 1984 في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيغان، لعائلة مصرية مهاجرة. والده محمد السيد مهندس مصري انتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في جامعة واين ستيت، فيما نشأ عبدول في منطقة ديترويت مع والده وزوجة أبيه جاكلين، التي تنحدر من عائلة ذات جذور قديمة في ميشيغان.
تلقى تعليمه في المدارس العامة بالولاية، وتخرج من مدرسة بلومفيلد هيلز الثانوية عام 2003، حيث برز في الرياضة، وكان قائداً لفرق كرة القدم والمصارعة واللاكروس. ثم التحق بجامعة ميشيغان، ودرس علم الأحياء والعلوم السياسية، وتخرج عام 2007 بمرتبة تميز أكاديمي، قبل أن يحصل على منحة رودس المرموقة التي أتاحت له متابعة دراساته في جامعة أكسفورد البريطانية.
في أكسفورد، نال عام 2011 درجة الدكتوراه في الصحة العامة، ثم أكمل دراسته الطبية في جامعة كولومبيا، حيث حصل عام 2014 على شهادة الطب. جمع بذلك بين خلفية أكاديمية في الطب وعلم الأوبئة والصحة العامة، وهي اختصاصات ستحدد لاحقاً مساره المهني والسياسي.
من الأكاديميا إلى إدارة الصحة العامة
بدأ السيد مسيرته الأكاديمية أستاذاً مساعداً في علم الأوبئة بجامعة كولومبيا، قبل أن ينتقل إلى العمل الإداري في القطاع الصحي. وفي عام 2015، عيّنه رئيس بلدية ديترويت آنذاك مايك دوغان مديراً تنفيذياً لدائرة الصحة في المدينة، في مرحلة كانت فيها ديترويت تحاول التعافي من أزمة الإفلاس وإعادة بناء مؤسساتها العامة.
تولى السيد المهمة حتى عام 2017، وركز على إعادة تنظيم الخدمات الصحية وتعزيز حضور الصحة العامة في الأحياء، بما يشمل الوقاية من الأمراض، وتحسين الوصول إلى الرعاية، ومعالجة المشكلات الصحية المرتبطة بالفقر والتلوث والظروف الاجتماعية.
وفي كانون الأول 2022، تولى إدارة دائرة الصحة والخدمات الإنسانية وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة واين، التي تضم نحو 1.8 مليون نسمة، واستمر في منصبه حتى عام 2025، حين استقال تمهيداً لخوض الانتخابات.
ومن أبرز الملفات التي ارتبطت بعمله في المقاطعة، توسيع خدمات الوقاية الصحية للأطفال، والعمل على إزالة الرصاص من المدارس، وتعزيز إتاحة دواء ناركان المستخدم في التعامل مع حالات الجرعات الزائدة، فضلاً عن المساهمة في برنامج أتاح إلغاء ديون طبية لنحو 300 ألف شخص، بقيمة وصلت إلى 700 مليون دولار، وفق ما أورده في سيرته الانتخابية.
هذا المسار جعله يقدم نفسه باعتباره شخصاً انتقل إلى السياسة بعدما اصطدم، من موقعه في الإدارة الصحية، بحدود قدرة المؤسسات على معالجة المشكلات من دون تغيير السياسات التي تنتجها.
محاولة أولى للوصول إلى السلطة

لم يكن سباق 2026 أول اختبار انتخابي للسيد. ففي عام 2018، خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمنصب حاكم ميشيغان، في مواجهة غريتشن ويتمر، التي فازت لاحقاً بالمنصب وأعيد انتخابها. حلّ السيد ثانياً، بعدما حصل على نحو 342 ألف صوت، مقابل أكثر من 588 ألفاً لويتمر.
ورغم خسارته، ساهمت تلك التجربة في تعريفه على مستوى الولاية بوصفه وجهاً تقدمياً شاباً، يطرح قضايا الصحة العامة والعدالة الاجتماعية ضمن خطاب سياسي يتجاوز الإدارة التقليدية للخدمات.
وبعد سنوات من العمل في المؤسسات الصحية والنشاط السياسي والإعلامي، عاد إلى المنافسة الانتخابية عام 2026، وهذه المرة على مقعد مجلس الشيوخ الأميركي الذي قرر السيناتور الديمقراطي غاري بيترز عدم الترشح للاحتفاظ به.
معركة داخل الحزب الديمقراطي
خاض السيد الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في آب 2026، وتمكن السيد من الفوز بفارق ضئيل، بعد معركة انتخابية حادة عكست الانقسام داخل الحزب الديمقراطي بشأن السياسة الخارجية، وحدود انتقاد الدعم الأميركي للكيان، إلى جانب الخلافات حول الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
وحظيت حملته بدعم شخصيات بارزة في التيار التقدمي، من بينها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، إضافة إلى النائبة رشيدة طليب، التي تمثل ميشيغان في مجلس النواب.
وفي الانتخابات العامة، واجه الجمهوري مايك روجرز، النائب السابق في الكونغرس والعميل السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي، والمدعوم من الرئيس دونالد ترامب وقيادات جمهورية. وانتهى السباق بفوز السيد، ليحتفظ الديمقراطيون بالمقعد الذي كان يشغله بيترز، ويحققوا في الوقت نفسه اختراقاً تاريخياً على مستوى التمثيل الإسلامي في مجلس الشيوخ.
برنامج انتخابي يركز على الصحة والاقتصاد
رفع السيد ثلاثة عناوين رئيسية لحملته: إخراج الأموال من السياسة، وإعادة الأموال إلى جيوب المواطنين، وإقرار نظام “الرعاية الطبية للجميع” (Medicare for All).
في العنوان الأول، تعهد بمواجهة نفوذ الشركات الكبرى وأصحاب الثروات في تمويل الحملات الانتخابية والتأثير في القرار السياسي، ودعم إصلاح قوانين تمويل الانتخابات وتعزيز الشفافية في نشاط جماعات الضغط والتمويل السياسي.
أما في الجانب الاقتصادي، فركز على أزمة القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والرعاية الصحية. ودعا إلى فرض ضرائب أكبر على أصحاب المليارات، وتطبيق قوانين مكافحة الاحتكار، والحد من هيمنة الشركات على الأسواق، وتعزيز حقوق العمال والنقابات والأجور.
وفي ملف الرعاية الصحية، جعل مشروع “Medicare for All” أحد أبرز أعمدة برنامجه. ويقوم هذا التصور على توسيع التغطية الصحية العامة لتشمل جميع الأميركيين، بما يقلل اعتمادهم على التأمين الصحي المرتبط بأصحاب العمل أو شركات التأمين الخاصة، ويحد من الأعباء المالية التي يتحملها المرضى، بما فيها الديون الطبية.
ويستند هذا الطرح إلى خبرته المهنية في الصحة العامة، وإلى قناعته بأن المرض لا يرتبط بالعلاج الطبي وحده، بل أيضاً بالفقر والتلوث وضعف الخدمات العامة والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
موقفه من الكيان وغزة.. أبرز نقاط الخلاف
كان موقف السيد من السياسة الأميركية تجاه الكيان من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال حملته. فقد وصف الحرب على غزة بأنها إبادة جماعية، ودعا إلى وقف الدعم العسكري الأميركي غير المشروط، وفرض حظر على تصدير الأسلحة التي تستخدم في العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين.
كما انتقد نفوذ جماعات الضغط المؤيدة للكيان، وفي مقدمتها “أيباك”، واعتبر أن أموال جماعات المصالح لا ينبغي أن تحدد مواقف السياسيين أو توجه السياسة الخارجية الأميركية.
ولم يقتصر موقفه على غزة، إذ انتقد أيضاً الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ورفض توسيع التدخلات العسكرية، داعياً إلى سياسة خارجية أكثر ارتباطاً بالمصالح الدبلوماسية والأمنية الأميركية، وأقل اعتماداً على القوة العسكرية.
وقد جعلته هذه المواقف هدفاً لهجمات من خصومه الجمهوريين، كما أثارت اعتراضات داخل الحزب الديمقراطي، خصوصاً لدى شخصيات ومجموعات ترى أن مواقفه من الكيان تتجاوز حدود الانتقاد المقبول للسياسة الإسرائيلية.
في المقابل، دافع السيد عن مواقفه باعتبارها جزءاً من موقف سياسي وأخلاقي يرفض استهداف المدنيين، ويعارض استخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين في تمويل الحروب. وأكد أن انتقاد الحكومة الإسرائيلية لا ينبغي أن يُساوى بمعاداة اليهود.
وخلال الحملة، تعرض أيضاً لانتقادات بسبب تصريحات ومواقف أثارت جدلاً، من بينها تعليقات أعقبت هجوماً على كنيس يهودي، وعلاقته ببعض الشخصيات الإعلامية المثيرة للجدل. وقد اعتذر عن بعض التصريحات التي اعتُبرت غير موفقة، فيما رفض اتهامات خصومه له بالتطرف أو الارتباط بجماعات إسلامية، معتبراً أنها تستهدف هويته وتوظفها سياسياً.
أول مسلم في مجلس الشيوخ
يمثل فوز السيد تحولاً تاريخياً في مسار التمثيل السياسي للمسلمين الأميركيين. فمنذ دخول كيث إليسون إلى مجلس النواب عام 2007، ثم انتخاب رشيدة طليب وإلهان عمر عام 2018، اتسع حضور المسلمين في المؤسسة التشريعية الأميركية، لكن مجلس الشيوخ بقي من دون عضو مسلم منتخب حتى فوزه في انتخابات 2026.
ولا يعني هذا الفوز أن السيد يمثل المسلمين الأميركيين جميعاً، أو أن هويته الدينية تختصر برنامجه السياسي، لكنه يضيف سابقة جديدة إلى تاريخ المشاركة السياسية لهذه الجماعات، ويكسر حاجزاً ظل قائماً في واحدة من أهم المؤسسات الدستورية الأميركية.
كما يكتسب فوزه أهمية خاصة في ضوء الجدل الذي رافق حملته، إذ واجه خطاباً انتخابياً استهدف أصوله ودينه، إلى جانب محاولات ربط مواقفه السياسية باتهامات بالتطرف من دون أدلة معلنة تدعمها. وقد أعاد ذلك إلى الواجهة النقاش حول الإسلاموفوبيا وحدود توظيف الهوية الدينية في المنافسة الانتخابية الأميركية.
وذكر مراقبون للعملية الانتخابية، أن الجمهوريين بذلوا جهداً كبيراً، ودفعوا أمولاً بمبالغ ضخمة لاسقاط السيد، الا أنهم لم يتمكنوا من تحقيق ذلك.
ماذا يعني وصوله إلى واشنطن؟
يدخل السيد مجلس الشيوخ في مرحلة تشهد انقساماً سياسياً حاداً في الولايات المتحدة، وتراجعاً في الثقة بالمؤسسات، ونقاشاً متصاعداً حول تكاليف المعيشة والحروب والدعم العسكري الخارجي.
وسيكون حضوره لافتاً في ملفات الرعاية الصحية وتمويل الحملات الانتخابية والسياسة الخارجية، ولا سيما أنه يتبنى مواقف أكثر تشدداً من الدعم العسكري للكيان مقارنة بجزء من المؤسسة الديمقراطية التقليدية.
لكن قدرته على تحويل برنامجه إلى تشريعات ستظل مرتبطة بميزان القوى داخل المجلس، وبقدرته على بناء تحالفات مع أعضاء آخرين، بمن فيهم من لا يتبنون جميع مواقفه. فالفوز بمقعد في مجلس الشيوخ لا يعني امتلاك القدرة المنفردة على تغيير السياسات، لكنه يمنحه منصة تشريعية ورقابية مؤثرة، ومساحة لطرح قضايا لم تحظَ دائماً بالموقع نفسه داخل النقاش السياسي الأميركي.
وفي أول تصريح له بعد فوزه، أعرب السيد عن ايمانه بحق الفلسطينيين في السلام والكرامة وتقرير المصير ليس كراهية بل تعبير عن المحبة.
وقال: لا نريد أن تستخدم أموالنا لتمويل الفصل العنصري أو الإبادة الجماعية أو الحروب، مطالباً بحق الأطفال الفلسطينيين في العيش على أرض أجدادهم، من دون التعرض للقتل بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين ليست كراهية.


