| خلود شحادة |
في مرحلة تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية، وتتفاقم فيها الملفات الداخلية لتتحول إلى أزمات وطنية مفتوحة، يجد رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه أمام واحدة من أكثر المهمات السياسية حساسية، وهي إدارة التوازنات اللبنانية في لحظة لا تحتمل كثيراً من المغامرات، بالتزامن مع الحفاظ على واقع بيئته وحمايتها من المخاطر الكبرى التي تهدّدها.
وبين الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل نسف القرى والتدمير الممنهج للجنوب والتهديد الدائم بالحرب، ومحاولات فرض وقائع جديدة من الخارج، وسجالات الداخل التي تهدد بتوسيع الشرخ بين اللبنانيين، يسير بري على حبل مشدود من الاتجاهين، محاولاً منع سقوط البلاد في الهاوية، بأقل قدر ممكن من الخسائر، بينما يحاول كُثُر تفسير حركة برّي بأنها “ابتعاد” عن “حزب الله”، وتمايز عن سياسساته، وتباين في مواقفهما.
لكن برّي لا يمسك العصا من وسطها، إنما يحمل العصا على كل من يحاول “شقّ الصّف”، حتى لو من “داخل الصّف، فما يفسره البعض تمايز هو أقرب إلى “درع حماية” للبيئة الشيعية أولاً، ثم للبيئة الوطنية ثانياً، وللسلم الأهلي ثالثاً.
لا يخفى على زوار عين التينة تعابير القلق على وجه “أبو مصطفى” خوفاً على مصير البلد عموماً والجنوب خصوصاً، وهو العارف جداً بما يحاك في دهاليز السياسات الدولية لإيقاع لبنان بفخ التطبيع والفتنة.. ملفان يضعهما بري في نفس الخانة من الحساسية والأهمية.. والخطر!
لا تنفصل مواقف بري عن بعضها، جميعها تدور في الحلقة نفسها. اعتراضه الصريح على أي تعديل أو إلغاء لقانون مقاطعة “إسرائيل”، وتمسكه باتفاق الطائف وبالقرار 1701 وبقاء قوات “اليونيفيل” في الجنوب، ليست مواقف منفصلة عن بعضها، بل تعكس تمسكاً بثوابت يعتبرها جزءاً من حماية لبنان، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الخارجية وتتباين المقاربات الداخلية حول كيفية التعامل معها.
وفي مواجهة هذه الضغوط، لا يكتفي بري برفع السقف السياسي، بل يحاول أيضاً ضبط إيقاع المواجهة الداخلية. فالرجل الذي يرفض تقديم تنازلات في ملفات يعتبرها مرتبطة بالثوابت الوطنية، يدرك في المقابل أن تحويل كل خلاف إلى معركة كسر عظم قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. ولذلك، تبدو تحركاته بين الرئاسات والقوى السياسيةن محاولة لإبقاء خطوط التواصل مفتوحة، ومنع انتقال الخلافات من مستوى الاشتباك السياسي إلى مستوى الصدام الذي يدفع لبنان كله ثمنه.
ومن هذه الملفات التي تشكّل فتيل فتنة، قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، وما رافقها من سجال حول احتمال إحالتها إلى المجلس العدلي، باعتبارها اختباراً دقيقاً لهذا النهج.
دعوة بري إلى عدم الذهاب نحو التصعيد في هذا الملف، والبحث عن مخرج لا يفاقم التوترات، تعكس خشية من أن تتحول قضية قضائية وأمنية إلى عنوان لمواجهة سياسية أوسع. هذا لا يلغي حق القضاء في التحقيق والمحاسبة وفق القانون، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً عن كيفية منع الاستثمار السياسي في الملفات الحساسة، وعن قدرة الدولة على معالجة القضايا الأمنية من دون تعريض السلم الأهلي لمزيد من الاهتزاز.
الهاجس الداخلي لدى بري لا يقل حضوراً عن هاجس الاحتلال الإسرائيلي. بل إن منع الفتنة يبدو، في حساباته السياسية، جزءاً من معركة حماية لبنان نفسه. وهو ما ظهر بوضوح في تحذيره الدائم من الخطاب الطائفي والتحريضي، واعتراضه على التعامل مع أي فئة من اللبنانيين وكأنها غريبة عن وطنها، وصولاً إلى رفض حرمان مواطن من حق شراء عقار بسبب انتمائه المذهبي، لأن بري يدرك أن الخطر لا يأتي فقط من الحدود، بل يمكن أن يتسلل أيضاً من داخل المجتمع، حين تتحول الاختلافات السياسية والطائفية إلى ممارسات إقصائية تمسّ الشراكة الوطنية.
ولعل أكثر ما يفسّر هذا المسار هو إدراك بري أن الحفاظ على التوازنات لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار سياسي في كل جولة، ولا التمسك بكل مطلب إلى النهاية، بل معرفة متى يجب رفع الصوت، ومتى ينبغي ترك مساحة للتسوية. وفي هذا السياق، قد يجد نفسه مضطراً أحياناً إلى “العضّ على الجرح”، حتى داخل بيئته السياسية، تجنباً لانفجار أوسع يطال الجميع.
يعتمد بري أسلوب “التنازل التكتيكي” عندما يكون هدفه منع الفتنة، وهذا لا يعني حكماً التخلي عن الثوابت، بل قد يكون محاولة لحمايتها من تداعيات مواجهة غير محسوبة، وهو العارف أيضاً أن جمهوره يثق بخياراته السياسية بأحلك الظروف.
يستخدم “المونة” على “حزب الله” الذي يثق ببري “ثقة عمياء”، ليدوّر الزوايا بما يخدم مصلحة العامة، ويبعد شبح الفتنة الداخلية، ويحمي ظهر “حزب الله” من أي غدر داخلي.
وبما خص ملف دور الجيش اللبناني في جنوب لبنان، يتفق الرئيس بري و”حزب الله” على ثابتة أن الجيش اللبناني خط أحمر، ولا يمكن اقحامه في أي خلاف مع أي جهة سياسية، ويُشهد للحزب تعاونه طيلة الـ15 شهراً، أي ما قبل حرب 2 آذار.
يؤدي بري دور “ميزان الذهب” في معادلة شديدة الاختلال، محاولاً أن يوازن بين حماية الحقوق والثوابت، واحتواء الضغوط، ومنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية. غير أن هذا الدور، مهما اتسعت مساحته، يبقى محكوماً بمدى استعداد بقية الأطراف لتحمل مسؤولياتها، وبقدرة المؤسسات الدستورية والقضائية على العمل بعيداً عن منطق التصفية السياسية.
وبين الاحتلال الذي يهدد سيادة لبنان، والانقسام الذي يهدد وحدته، تبدو مهمة بري اليوم محاولة لانتزاع مساحة من الاستقرار في بلد تضيق فيه الخيارات، ويصبح فيه تجنب الخسائر الكبيرة إنجازاً بحد ذاته، من دون أن يكون بديلاً عن معالجة الأزمات من جذورها.


