| ديفيد إي. روزنبرغ |*
من المفترض أن تكون هذه الانتخابات الأكثر حسماً في تاريخ “إسرائيل”، إذ تشكّل استفتاءً على خيارين: إما مواصلة المسار الذي انتهجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال السنوات الأربع الماضية، والقائم على الابتعاد عن الليبرالية والانكفاء على الذات وتبنّي سياسات عسكرية هجومية، وإما العودة إلى قيم أكثر ليبرالية والعمل على إصلاح العلاقات مع عالم يتزايد نفوره منها.
لكن، على الرغم من أهمية الرهانات، قد لا تفضي الانتخابات التشريعية المقررة في 27 تشرين الأول إلى نتيجة حاسمة بشأن مستقبل البلاد. فحتى في هذه المرحلة المتقدمة من الحملة الانتخابية، لا تُظهر استطلاعات الرأي تقدّم أي من الكتلتين الرئيسيتين بما يكفي لحسم النتيجة. ووفقاً لأحدث الاستطلاعات، لن يحصل نتنياهو وحلفاؤه من التيار الديني واليمين المتطرف على أكثر من 49 مقعداً. أما أحزاب المعارضة، التي يجمعها أساساً هدف إزاحة نتنياهو من السلطة، فلن تحصد أكثر من 54 مقعداً، أي أقل بكثير من المقاعد الـ61 اللازمة لضمان الأغلبية البرلمانية.
أما المقاعد المتبقية، فستذهب في معظمها إلى حزبين تقودهما شخصيات عربية، ما قد يمنح المعسكر المناهض لنتنياهو هامشاً كافياً لتشكيل الحكومة. غير أن عدداً من أحزاب هذا المعسكر استبعد إشراك الحزبين في حكومة مقبلة.
لا تتمتع استطلاعات الرأي الإسرائيلية بسجل موثوق في التنبؤ بالنتائج، لأسباب عدة. فالناخبون اليمينيون يميلون إلى عدم الثقة بمؤسسات استطلاع الرأي والامتناع عن التعاون معها، ما قد يؤدي إلى التقليل من حجم التأييد الذي يحظى به نتنياهو. كذلك، يمكن أن يؤثر ارتفاع نسبة المشاركة لدى أحد المعسكرين، أو لدى الناخبين العرب، في النتائج النهائية.
والأهم أن الاستطلاعات تُظهر اقتراب حزبين صغيرين من العتبة الانتخابية اللازمة لدخول الكنيست. وقد تحدد بضعة آلاف من الأصوات، سواء لمصلحة أي منهما أو ضده، ما إذا كان سيتجاوز هذه العتبة، الأمر الذي قد ينعكس بصورة كبيرة على توزيع المقاعد والنتيجة النهائية.
مع ذلك، ثمة ما يدعم مصداقية الاستطلاعات، إذ ظلت نتائجها متقاربة إلى حد كبير على مدى فترة طويلة. فعلى الرغم من التغييرات الكبيرة التي طرأت على الأحزاب داخل المعسكرين الرئيسيين، يبدو أن الناخبين حسموا منذ وقت مبكر مواقفهم من القضايا الأساسية.
ولم يؤدِّ حتى سيل الأخبار السلبية الأخيرة عن نتنياهو إلى تغيير يُذكر في المشهد. فقد تكررت التقارير عن تجاهله تحذيرات من هجوم وشيك لحركة “حماس” قبل هجوم السابع من تشرين الأول 2023، كما كشفت محاولة اختطاف طائرة تابعة لشركة “فلاي دبي”، التي لم تنجح، عن ثغرات في الإجراءات الأمنية الحكومية. ومع ذلك، لم يظهر أن هذه التطورات أحدثت تحولاً ملموساً في مواقف الناخبين. كذلك، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنتنياهو خلال عطلة نهاية الأسبوع، واصفاً إياه بـ”رئيس الوزراء المحارب العظيم”، لكن يبدو أن هذا العامل لم يعد مؤثراً في اتجاهات التصويت.
وقد يلجأ نتنياهو، تحسباً لاحتمال خسارته، إلى خطوات استثنائية للبقاء في السلطة، من بينها شن حرب قبل 27 تشرين الأول، أو إثارة اضطرابات في مراكز الاقتراع يوم التصويت. وقد يلجأ أيضاً إلى الطعن في صحة النتائج إذا خسر.
قد يبدو من غير المنطقي أن يخاطر رئيس حكومة إسرائيلية بشن حرب بهدف تأجيل الانتخابات، لكن نتنياهو يبدو أكثر تمسكاً بالسلطة من كثير من السياسيين، ولو كان ذلك لتجنب إدانة جنائية محتملة.
وتفيد تقارير بأن نتنياهو حثّ ترامب على استئناف الهجمات على إيران قبل الانتخابات، وهو ما نفاه مكتبه، كما عرض أخيراً الانضمام إلى الحملة السعودية ضد الحوثيين.
ولن تكون الحرب بالضرورة مغامرة انتخابية محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى نتنياهو، في ظل استمرار شعور الجمهور الإسرائيلي بالقلق من التهديدات الأمنية. وقد يتمكن رئيس الوزراء من إقناع الناخبين بأنه لم يكن أمامه خيار سوى شن هجوم، ما قد يدفع المعارضة، تحت ضغط الظروف، إلى تأييد قرار في الكنيست بتأجيل الانتخابات.
أما التدخل في العملية الانتخابية، فعلى الرغم من أنه قد يكون أقل كلفة من حيث الأرواح والخسائر المادية، فإنه يشكّل ضربة مباشرة للنظام الديمقراطي. وقد يتخذ هذا التدخل أشكالاً عدة، منها ممارسة العنف والترهيب في مراكز الاقتراع. فقد اكتسبت مجموعة من الناشطين اليمينيين خبرة في ما يشبه “حروب الشوارع”، من خلال استهداف المتظاهرين المناهضين للحكومة وشخصيات عامة بصورة متكررة.
كذلك، أظهر وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتامار بن غفير استعداداً لاستخدام جهاز الشرطة لخدمة أهداف سياسية، ما قد يؤدي إلى التغاضي عن الاعتداءات وغيرها من التجاوزات القانونية.
وثمة مسار آخر يتمثل في الطعن في النتائج بعد إعلانها، وهي خطوة قد تصبح أسهل إذا جاءت الفوارق بين المعسكرين ضئيلة.
إذا لم يقع أي من هذه السيناريوهات، فما شكل الحكومة التي يمكن أن تفرزها الانتخابات؟
إذا عجز المعسكران عن تأمين الأغلبية، فقد ألمح الرئيس إسحاق هرتسوغ إلى تفضيله تشكيل حكومة وحدة وطنية، أي ائتلاف واسع يضم حلفاء نتنياهو وخصومه على السواء، تجنباً لدخول البلاد في جولة جديدة من الانتخابات المتتالية، على غرار ما شهدته بين عامي 2019 و2021.
وعلى الرغم من أن دور هرتسوغ يغلب عليه الطابع البروتوكولي، فإنه يتولى تسمية الشخصية التي تُكلَّف بتشكيل الحكومة، ما يمنحه هامشاً من التأثير في مسار المشاورات.
لكن رغبة الرئيس قد تصطدم بالانقسام العميق بين الناخبين وبحدة الاستقطاب السياسي، ما يجعل تشكيل حكومة وحدة أمراً مستبعداً.
ولو قرر غادي آيزنكوت، الذي يتصدر المعسكر المناهض لنتنياهو، دعوة أحد الحزبين العربيين أو كليهما إلى المشاركة في الحكومة المقبلة، فقد يتمكن من تأمين أغلبية برلمانية واضحة. غير أن هذا الخيار لا يبدو مرجحاً، على الرغم من إعلان القائمة العربية الموحدة “رعَم” وحزب عربي آخر استعدادهما لدعم حكومة يشكلها المعسكر المناهض لنتنياهو.
وثمة سابقة في هذا المجال، تعود إلى عام 2021، عندما شكّل نفتالي بينيت حكومة بدعم من القائمة العربية الموحدة. لكن ظروف اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه آنذاك، ولا سيما بعد صدمة هجوم السابع من تشرين الأول، وفي ظل حملة نتنياهو المتواصلة لاتهام الأقلية العربية في “إسرائيل” بالخيانة. ومن بين قادة المعارضة، لم يُبدِ ترحيباً واضحاً بمشاركة الأحزاب العربية سوى يائير غولان، رئيس حزب “الديمقراطيين”.
في المقابل، يطرح آيزنكوت سيناريو آخر، يتمثل في تشكيل حكومة أقلية إذا لم يتمكن المعسكر المناهض لنتنياهو من حصد 61 مقعداً في الكنيست، على أن يوفر أحد الحزبين العربيين أو كلاهما دعماً برلمانياً يتيح لها الاستمرار.
وفي غياب الأغلبية البرلمانية، لن يكون بوسع آيزنكوت ضمان بقاء حكومته طويلاً، لكن حتى بضعة أشهر أو عام واحد قد تكون كافية لإحداث تغيير سياسي جوهري.
ومن المرجح أن يتضمن برنامج الأيام المئة الأولى لهذه الحكومة إلغاء تشريعات نتنياهو المتعلقة بالإصلاح القضائي، التي يرى منتقدوها أنها تهدد بإضعاف “الضوابط الديمقراطية” في “إسرائيل”؛ وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من تشرين الأول وأدت إليه؛ وإقرار قانون يمنع الأشخاص الذين يواجهون اتهامات جنائية من تولي رئاسة الحكومة، وهو إجراء من شأنه، عملياً، إنهاء المسيرة السياسية لنتنياهو.
*محرر الشؤون الاقتصادية وكاتب عمود في النسخة الإنكليزية من صحيفة “هآرتس”، ومؤلف كتاب عن اقتصاد التكنولوجيا في الكيان الاسرائيلي*


