تواجه بنغلادش أزمة صحية متفاقمة مع تفشّي مرض الحصبة على نطاق واسع، بالتزامن مع تصاعد الإصابات بحمى الضنك، في وقت تتعرض فيه المستشفيات لضغط متزايد، وسط مخاوف من استمرار انتشار العدوى، ولا سيما بين الأطفال.
وبحسب أحدث البيانات المنشورة في 14 تشرين الأول الجاري عن المديرية العامة للخدمات الصحية في بنغلادش، بلغ عدد الوفيات المرتبطة بأعراض الحصبة أو الحالات المشتبه بها 1,177 وفاة منذ 15 آذار 2026، فيما تجاوز عدد الحالات المشتبه بها 208 آلاف حالة. وشملت الحصيلة 104 وفيات مؤكدة مخبرياً، مقابل 1,073 وفاة سُجّلت بين حالات مشتبه بإصابتها بالمرض.
وفي تقرير نشرته وكالة “رويترز” في 17 تشرين الأول، استناداً إلى بيانات منظمة الصحة العالمية، أُحصيت أكثر من 202 ألف حالة مشتبه بها، بينها نحو 22 ألف إصابة مؤكدة مخبرياً، و1,147 وفاة حتى 9 تشرين الأول. وأشار التقرير إلى أن نحو 94% من الوفيات المسجلة وقعت بين الأطفال دون الخامسة، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه الفئات العمرية الأكثر هشاشة.
تراجع التلقيح وراء تفاقم الأزمة
تُعدّ الحصبة مرضاً فيروسياً شديد العدوى ينتقل عبر الهواء، ويمكن أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، من بينها الالتهاب الرئوي والإسهال الحاد والتهاب الدماغ، وقد يتسبب بالوفاة، خصوصاً لدى الأطفال الذين يعانون سوء التغذية أو ضعف المناعة.
وتشير التقارير الصحية إلى أن تراجع التغطية بالتلقيح الروتيني خلال عام 2025 أسهم في اتساع دائرة الإصابات. فبعدما بلغت نسبة التغطية بالجرعة الأولى من لقاح الحصبة نحو 96% عام 2024، انخفضت إلى 90% في عام 2025، فيما تراجعت التغطية بالجرعة الثانية من 93% إلى 86%، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية واليونيسف التي أوردتها رويترز.
وتحتاج السيطرة على انتشار الحصبة إلى تغطية لقاحية مرتفعة ومستدامة تبلغ نحو 95% بالجرعتين، وفق توصيات منظمة الصحة العالمية، للحد من انتقال العدوى وحماية الفئات الأكثر عرضة للإصابة.
وأطلقت السلطات حملة تلقيح طارئة خلال نيسان وأيار، وصلت إلى نحو 20 مليون طفل، إلا أن الحملة لم تشمل جميع الأطفال المستهدفين. وفي نهاية أيلول، أُطلقت حملة إضافية للوصول إلى نحو 3.4 ملايين طفل لم تشملهم الحملات السابقة، في محاولة لسد الثغرات في التغطية اللقاحية.
وتواجه السلطات صعوبات إضافية في الوصول إلى المناطق النائية والفئات الأكثر فقراً، إلى جانب النقص في الكوادر الصحية، إذ أشار تقرير رويترز إلى أن نحو ثلث الوظائف الصحية المخصصة في البلاد شاغرة، ما يزيد صعوبة الاستجابة لتفشٍّ بهذا الحجم.
حمى الضنك تزيد الضغط على المستشفيات
ولا تقتصر الأزمة الصحية على الحصبة، إذ تواجه بنغلادش أيضاً تفشّياً لحمى الضنك، وهي عدوى فيروسية تنتقل إلى البشر عبر لسعات بعوض مصاب، ويمكن أن تسبب ارتفاع الحرارة والصداع وآلام العضلات والمفاصل، فيما قد تتطور الحالات الشديدة إلى نزيف أو صدمة دورانية.
وبحسب بيانات نقلتها رويترز في الأول من تشرين الأول، سجلت البلاد ما لا يقل عن 245 وفاة ونحو 79,620 حالة استدعت الاستشفاء منذ بداية العام، بعد أن شهد أيلول وحده 148 وفاة، مقارنة بـ43 وفاة في آب. وحذّر خبراء من احتمال استمرار ارتفاع الإصابات خلال تشرين الأول، بفعل الأمطار والظروف المناخية التي تساعد على تكاثر البعوض الناقل للفيروس.
ويفاقم تزامن المرضين الضغط على القطاع الصحي، في ظل الحاجة إلى توفير الأسرّة والعلاجات والكوادر اللازمة للتعامل مع الأعداد المتزايدة من المرضى. كما تتطلب مكافحة الضنك إجراءات مستمرة لإزالة المياه الراكدة ومواقع تكاثر البعوض، إذ لا يكفي رش المبيدات وحده للحد من انتشار العدوى.
تحذيرات من تداعيات تتجاوز بنغلادش
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن تفشي الحصبة يسلط الضوء على مخاطر اتساع فجوات التلقيح، خصوصاً في المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى الخدمات الصحية. وكانت المنظمة قد اعتبرت، في تقييمها المنشور في نيسان، أن مخاطر التفشي مرتفعة على المستوى الوطني والإقليمي، مع وجود مخاطر لانتقال العدوى عبر الحدود بفعل حركة السكان والمسافرين.
ولا تعني هذه التطورات ظهور فيروس جديد، بل تتعلق بانتشار مرضين معروفين، لكل منهما طريقة انتقال مختلفة ووسائل وقاية خاصة. فالحصبة تنتقل بين الأشخاص وتُعد اللقاحات الوسيلة الأساسية للوقاية منها، بينما تنتقل حمى الضنك أساساً عبر البعوض المصاب.
وتؤكد هذه الأزمة أهمية الحفاظ على برامج التلقيح الروتيني، وتعزيز الرقابة الوبائية، وتأمين الوصول إلى الرعاية الصحية، بالتوازي مع التدخلات البيئية اللازمة لمكافحة البعوض. وفي ظل استمرار الإصابات، يبقى احتواء التفشيين مرتبطاً بقدرة السلطات على الوصول إلى الفئات التي لم تحصل على اللقاحات، وتخفيف الضغط عن المستشفيات، ومنع اتساع رقعة العدوى.


